آية:
تفسير سورة الصف
تفسير سورة الصف
وهي مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
آية: 1 - 3 #
{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)}.
# {1} وهذا بيانٌ لعظمته تعالى وقهره وذلِّ جميع الأشياء له تبارك وتعالى وأنَّ جميع مَن في السماوات والأرض يسبِّحون بحمدِ ربِّهم ويعبُدونه ويسألونَه حوائجهم. {وهو العزيزُ}: الذي قهر الأشياء بعزَّته وسلطانِهِ. {الحكيمُ}: في خلقه وأمره.
# {2 ـ 3} {يا أيُّها الذين آمنوا لم تقولونَ ما لا تفعلونَ}؛ أي: لم تقولونَ الخير وتحثُّون عليه، وربما تمدَّحتم به وأنتم لا تفعلونه، وتَنْهَوْنَ عن الشرِّ، وربَّما نزَّهتم أنفسكم عنه وأنتم متلوِّثون متَّصفون به؛ فهل تليقُ بالمؤمنين هذه الحالة الذَّميمة؟! أم من أكبر المقت عند الله أن يقولَ العبدُ ما لا يفعل؟! ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكونَ أولَ الناس إليه مبادرةً، والناهي عن الشرِّ أن يكون أبعدَ الناس عنه ؛ قال تعالى: {أتأمرونَ الناس بالبِرِّ وتَنسَوْنَ أنفسَكم وأنتُم تتلونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلونَ}، وقال شعيبٌ عليه السلام [لقومه]: {وما أريدُ أن أخالِفَكُم إلى ما أنهاكم عنه}.
آية: 4 #
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)}.
# {4} هذا حثٌّ من الله لعباده على الجهاد في سبيله، وتعليمٌ لهم كيف يصنعون، وأنهم ينبغي لهم أن يَصُفُّوا في الجهاد صفًّا متراصًّا متساوياً من غير خلل يحصُلُ في الصفوف، وتكون صفوفُهم على نظام وترتيبٍ به تحصُلُ المساواة بين المجاهدين والتعاضُد وإرهاب العدوِّ وتنشيط بعضهم بعضاً، ولهذا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا حضر القتال؛ صفّ أصحابه ورتَّبهم في مواقفهم بحيث لايحصُلُ اتِّكالُ بعضهم على بعض، بل تكون كلُّ طائفةٍ منهم مهتمةً بمركزها وقائمةً بوظيفتها، وبهذه الطريقة تتمُّ الأعمال ويحصُلُ الكمال.
آية: 5 #
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)}.
# {5} أي: {وإذْ قال موسى لقومِهِ}: موبخاً لهم على صنيعهم، ومقرعاً لهم على أذيَّته، وهم يعلمون أنَّه رسول الله: {لم تُؤذونَني}: بالأقوال والأفعال، {وقد تعلمونَ أنِّي رسولُ الله إليكم}: والرسولُ من حقِّه الإكرام والإعظام والقيام بأوامره والابتدار لحكمِهِ، وأمَّا أذيَّة الرسول الذي إحسانُه إلى الخلق فوق كلِّ إحسان بعد إحسان الله؛ ففي غاية الوقاحة والجراءة والزيغ عن الصراط المستقيم، الذي قد عَلِموه وتَرَكوه، ولهذا قال: {فلمَّا زاغوا}؛ أي: انصرفوا عن الحقِّ بقصدهم، {أزاغَ الله قلوبَهم}: عقوبةً لهم على زيغهم الذي اختاروه لأنفسهم ورضوه لها، ولم يوفِّقْهم الله للهدى؛ لأنَّهم لا يَليقُ بهم الخير ولا يَصلُحون إلاَّ للشرِّ. {والله لا يهدي القومَ الفاسقينَ}؛ أي: الذينَ لم يزلِ الفسقُ وصفاً لهم، ليس لهم قصد في الهدى. وهذه الآية الكريمة تفيد أن إضلال الله لعبيده ليس ظلماً منه ولا حجَّة لهم عليه، وإنَّما ذلك بسببٍ منهم؛ فإنَّهم الذين أغلقوا على أنفسهم باب الهدى بعدما عرفوه، فيجازيهم بعد ذلك بالإضلال والزيغ وتقليب القلوب عقوبةً لهم وعدلاً منه بهم؛ كما قال تعالى: {ونقلِّبُ أفئِدَتَهم وأبصارَهم كما لم يؤمِنوا به أولَ مرةٍ ونَذَرُهُم في طغيانِهم يعمهونَ}.
آية: 6 - 9 #
{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)}.
# {6} يقول تعالى مخبراً عن عناد بني إسرائيل المتقدِّمين الذين دعاهم عيسى بن مريم وقال لهم: {يا بني إسرائيلَ إنِّي رسولُ اللهِ إليكم}؛ أي: أرسلني الله لأدعوكم إلى الخير وأنهاكم عن الشرِّ، وأيَّدني بالبراهين الظاهرة، ومما يدلُّ على صدقي كوني {مصدِّقاً لما بين يديَّ من التَّوراة}؛ أي: جئت بما جاء به موسى من التوراة والشرائع السماويَّة، ولو كنت مدَّع للنبوَّةِ؛ لجئتُ بغير ما جاء به المرسلون، و {مصدِّقاً لما بين يديَّ من التَّوراة}: أيضاً أنها أخبرت بي وبشَّرت، فجئتُ وبعثتُ مصدقاً لها، {ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمُهُ أحمدُ}: وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبيُّ الهاشميُّ؛ فعيسى عليه الصلاة والسلام كسائر الأنبياء ؛ يصدِّق بالنبيِّ السابق، ويبشِّر بالنبيِّ اللاحق؛ بخلاف الكذَّابين؛ فإنَّهم يناقضون الأنبياء أشدَّ مناقضة، ويخالِفونهم في الأوصاف والأخلاق والأمرِ والنهي، {فلمَّا جاءهم}: محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - الذي بَشَّرَ به عيسى {بالبيِّناتِ}؛ أي: الأدلَّة الواضحة الدالَّة على أنه هو، وأنَّه رسول الله حقًّا، {قالوا}: معاندين للحقِّ مكذِّبين له: {هذا سحرٌ مبينٌ}: وهذا من أعجب العجائب، الرسول الذي قد وضحت رسالتُه وصارتْ أبين من شمس النهار؛ يُجعل ساحراً بيِّناً سحره؛ فهل في الخذلان أعظم من هذا؟! وهل في الافتراء أبلغ من هذا الافتراء الذي نفى عنه ما كان معلوماً من رسالته وأثبتَ له ما كان أبعد الناس عنه ؟!
# {7} {ومن أظلمُ ممَّنِ افترى على الله الكذب}: بهذا أو غيره والحال أنه لا عذر له وقد انقطعت حجته لأنه {يدعى إلى الإسلام}: ويُبَيَّن له ببراهينه وبيناته، {واللهُ لا يهدي القوم الظالمينَ}: الذين لا يزالون على ظلمهم مستقيمين، لا تردُّهم عنه موعظةٌ ولا يزجُرُهُم بيانٌ ولا برهانٌ، خصوصاً هؤلاء الظَّلمة القائمين بمقابلة الحقِّ ليردُّوه، ولينصروا الباطل.
# {8} ولهذا قال [اللَّه] عنهم: {يريدونَ لِيُطْفِئوا نورَ الله بأفواههم}؛ أي: بما يَصْدُرُ منهم من المقالات الفاسدة التي يردُّون بها الحقَّ، وهي لا حقيقة لها، بل تزيد البصير معرفةً بما هم عليه من الباطل، {والله متمُّ نورِهِ ولو كَرِهَ الكافرونَ}؛ أي: قد تكفَّل الله بنصر دينه وإتمام الحقِّ الذي أرسل به رسلَه وإظهار نورِهِ في سائر الأقطار، ولو كَرِهِ الكافرونَ، وبَذَلوا بسبب كراهته كلَّ ما قدروا عليه مما يتوصَّلون به إلى إطفاء نور الله؛ فإنَّهم مغلوبون، ومَثَلُهم كمثل مَن ينفخ عين الشمس بفيه ليطفِئَها؛ فلا على مرادهم حصلوا، ولا سلمتْ عقولهم من النقص والقدح فيها.
# {9} ثم ذكر سبب الظُّهور والانتصار للدين الإسلاميِّ الحسِّي والمعنويِّ، فقال: {هو الذي أرسل رسولَه بالهُدى ودين الحقِّ}: أي: بالعلم النافع والعمل الصالح، بالعلم الذي يهدي إلى الله وإلى دار كرامته، ويهدي لأحسن الأعمال والأخلاق، ويهدي إلى مصالح الدُّنيا والآخرة، {ودين الحقِّ}؛ أي: الدين الذي يُدان به ويُتَعَبَّدُ لربِّ العالمين، الذي هو حقٌّ وصدقٌ لا نقص فيه ولا خلل يعتريه، بل أوامره غذاءُ القلوب والأرواح وراحةُ الأبدان، وترك نواهيه سلامةً من الشرِّ والفساد ، فما بُعِثَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من الهدي ودين الحقِّ أكبر دليل وبرهان على صدقِهِ، وهو برهانٌ باقٍ ما بقي الدهر، كلَّما ازداد به العاقل تفكُّراً؛ ازداد به فرحاً وتبصُّراً. {ليظهِرَه على الدِّين كلِّه}؛ أي: ليعليه على سائر الأديان بالحجَّة والبرهان، ويُظْهِرَ أهلَه القائمين به بالسيف والسّنان. فأمَّا نفس الدين؛ فهذا الوصف ملازمٌ له في كلِّ وقت، فلا يمكن أن يُغَالِبَهُ مغالبٌ أو يخاصِمَهُ مخاصمٌ إلاَّ فَلَجَه وبلسه، وصار له الظهورُ والقهرُ، وأمَّا المنتسبون إليه؛ فإنَّهم إذا قاموا به واستناروا بنوره واهتدَوْا بهديه في مصالح دينهم ودُنياهم؛ فكذلك لا يقوم لهم أحدٌ، ولا بدَّ أن يظهروا على أهل الأديان، وإذا ضيَّعوا واكتفَوْا منه بمجرَّد الانتساب إليه؛ لم ينفعْهم ذلك، وصار إهمالهم له سببَ تسليطِ الأعداء عليهم، ويَعْرِفُ هذا من استقرأ الأحوال والنظر في أول المسلمين وآخرهم.
آية: 10 - 14 #
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)}.
# {10} هذه وصيةٌ ودلالةٌ وإرشادٌ من أرحم الراحمين لعباده المؤمنين لأعظم تجارةٍ وأجلِّ مطلوب وأعلى مرغوبٍ يحصل بها النجاة من العذاب الأليم والفوز بالنعيم المقيم، وأتى بأداة العرض الدالَّة على أنَّ هذا أمرٌ يرغب فيه كلُّ متصبِّر ويسمو إليه كل لبيبٍ.
# {11} فكأنَّه قيل: ما هذه التِّجارة التي هذا قدرها؟ فقال: {تؤمنون باللهِ ورسوله}: ومن المعلوم أنَّ الإيمان التامَّ هو التصديقُ الجازم بما أمر الله بالتصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح، التي من أجَلِّها الجهاد في سبيله ؛ فلهذا قال: {وتجاهدون في سبيلِ اللهِ بأموالِكم وأنفسِكم}؛ بأن تبذلوا نفوسكم ومُهَجَكُم لمصادمة أعداء الإسلام، والقصدُ نصرُ دين الله وإعلاءُ كلمته، وتنفقون ما تيسَّر من أموالكم في ذلك المطلوب؛ فإنَّ ذلك وإنْ كان كريهاً للنفوس شاقًّا عليها؛ فإنَّه {خيرٌ لكم إن كنتُم تعلمون}: فإنَّ فيه الخير الدنيويَّ من النصر على الأعداء والعزَّ المنافي للذُّلِّ والرزق الواسع وسعة الصدر وانشراحه، والخير الأخروي بالفوز بثواب الله والنجاة من عقابه.
# {12} ولهذا ذَكَرَ الجزاء في الآخرة فقال: {يَغْفِرْ لكم ذُنوبَكم}: وهو شاملٌ للصغائر والكبائر؛ فإنَّ الإيمان بالله والجهاد في سبيله مكفِّرٌ للذُّنوب، ولو كانت كبائر، {ويدخِلْكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار}؛ أي: من تحت مساكنها وقصورها وغُرَفِها وأشجارها أنهارٌ من ماءٍ غير آسن وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيَّرْ طعمُه وأنهارٌ من خمر لذَّةٍ للشاربين وأنهارٌ من عسل مصفى ولهم فيها من كلِّ الثمرات، {ومساكنَ طيِّبةً في جناتِ عدنٍ}؛ أي: جمعت كلَّ طيبٍ من علوٍّ وارتفاع وحسن بناءٍ وزخرفةٍ، حتَّى إنَّ أهل الغرف من أهل علِّيين يتراءاهم أهلُ الجنَّة كما يُتراءى الكوكب الدُّرِّي في الأفق الشرقيِّ أو الغربيِّ، وحتَّى إنَّ بناء الجنَّة بعضُه من لَبِنِ ذهبٍ وبعضُه من لَبِنِ فضَّةٍ ، وخيامها من اللؤلؤ والمرجان، وبعض المنازل من الزُّمُرُّد والجواهر الملونة بأحسن الألوان، حتى إنَّها من صفائها يُرى ظاهرُها من باطنها وباطنُها من ظاهرها، وفيها من الطيبِ والحُسن ما لا يأتي عليه وصفُ الواصفين ولا خَطَرَ على قلب أحدٍ من العالمين، لا يمكن أن يدرِكوه حتى يَرَوْه ويتمتَّعوا بحسنه، وتقرَّ به أعينُهم. ففي تلك الحالة لولا أنَّ الله خَلَقَ أهل الجنَّة وأنشأهم نشأةً كاملةً لا تقبلُ العدم؛ لأوشك أن يموتوا من الفرح؛ فسبحان من لا يحصي أحدٌ من خلقه ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يُثْني عليه أحدٌ من خلقه، وتبارك الجليلُ الجميلُ، الذي أنشأ دار النعيم، وجعل فيها من الجلال والجمال ما يبهر عقولَ الخلق ويأخُذُ بأفئِدتهم، وتعالى من له الحكمةُ التامَّة، الذي من جملتها أنه لو أرى العباد الجنَّة ونظروا إلى ما فيها من النعيم؛ لما تخلَّف عنها أحدٌ، ولما هناهم العيش في هذه الدار المنغصة المَشوب نعيمها بألمها وفرحها بِتَرَحِها. وسُمِّيت [الجنة] جنَّة عدن؛ لأنَّ أهلها مقيمون فيها، لا يخرجون منها أبداً، ولا يبغون عنها حِوَلاً. ذلك الثواب الجزيل والأجر الجميل هو الفوزُ العظيم الذي لا فوزَ مثله؛ فهذا الثواب الأخرويُّ.
# {13} وأما الثواب الدنيويُّ لهذه التجارة؛ فذكره بقوله: {وأخرى تحبُّونها}؛ أي: ويحصُلُ لكم خَصْلَةٌ أخرى تحبُّونها، وهي: {نصرٌ من الله}: لكم على الأعداء، يحصُلُ به العزُّ والفرح، {وفتحٌ قريبٌ}: تتَّسع به دائرة الإسلام، ويحصُلُ به الرزق الواسع؛ فهذا جزاء المؤمنين المجاهدين، وأما المؤمنون من غير أهل الجهاد إذا قام غيرهم بالجهادِ؛ فلم يؤيِّسْهُمُ الله تعالى من فضله وإحسانه، بل قال: {وبشِّرِ المؤمنينَ}؛ أي: بالثواب العاجل والآجل؛ كلٌّ على حسب إيمانه، وإن كانوا لا يبلغون مبلغ المجاهدين في سبيل الله؛ كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ رَضِي بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ رسولاً؛ وجبتْ له الجنةُ». فعجب لها أبو سعيد الخدريُّ راوي الحديث، فقال: أعدها عليَّ يا رسول الله! فأعادها عليه، ثم قال: «وأخرى يُرْفَعُ بها العبدُ مائة درجةٍ في الجنة، ما بين كلِّ درجتين كما بين السماء والأرض». فقال: وما هي يا رسولَ الله؟ قال: «الجهادُ في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله». رواه مسلم.
# {14} ثم قال تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا كونوا أنصارَ اللهِ}؛ أي: بالأقوال والأفعال، وذلك بالقيام بدين الله، والحرص على تنفيذه على الغير وجهادِ مَنْ عانده ونابذه بالأبدان والأموال، ومَنْ نَصَرَ الباطلَ بما يزعمُه من العلم، وَرَدَّ الحقَّ بدحض حجَّته وإقامة الحجَّة عليه والتحذير منه، ومن نصرِ دين الله تعلُّم كتاب الله وسنَّة رسوله [وتعليمه] والحثُّ على ذلك والأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر. ثم هيَّج الله المؤمنين بالاقتداء بمَنْ قبلَهم من الصالحين بقوله: {كما قال عيسى ابنُ مريم للحواريِّينَ مَنْ أنصاري إلى الله}؛ أي: قال لهم منبهاً: من يعاونني ويقوم معي في نصر دين الله ويَدْخُلُ مدخلي ويَخْرُجُ مخرجي؟ فابتدرَ الحواريُّون فقالوا: {نحنُ أنصارُ اللهِ}: فمضى [عيسى] عليه السلام على [أمر اللَّه و] نصرِ دين الله هو ومن معه من الحواريِّين، {فآمنتْ طائفةٌ من بني إسرائيلَ}: بسبب دعوة عيسى والحواريِّين، {وكفرت طائفةٌ}: منهم، فلم ينقادوا لدعوتهم، فجاهد المؤمنونَ الكافرين، {فأيَّدْنا الذين آمنوا على عَدُوِّهِم}؛ أي: قوَّيْناهم ونصرناهم عليهم، {فأصبحوا ظاهرينَ}: عليهم، قاهرين لهم. فأنتم يا أمَّة محمدٍ! كونوا أنصارَ الله ودعاةَ دينه؛ يَنْصُرْكُم الله كما نَصَرَ مَنْ قبلكم، ويُظْهِرْكم على عدوِّكم.
تم تفسيرها. والحمد الله رب العالمين.
* * *