آية:
تفسير سورة قد سمع الله
تفسير سورة قد سمع الله
وهي مدنية
آية: 1 - 4 #
{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)}.
# {1} نزلت هذه الآيات الكريماتُ في رجل من الأنصار اشتكتْه زوجته إلى الله وجادلته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا حرَّمها على نفسه بعد الصُّحبة الطويلة والأولاد، وكان هو رجلاً شيخاً كبيراً، فشكتْ حالَها وحالَه إلى الله وإلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكرَّرت ذلك، وأبدتْ فيه وأعادتْ، فقال تعالى: {قد سَمِعَ الله قولَ التي تجادِلُك في زوجها وتَشْتَكي إلى الله واللهُ يسمعُ تحاوُرَكما}؛ أي: تخاطُبَكما فيما بينكما. {إنَّ الله سميعٌ}: لجميع الأصوات في جميع الأوقات على تفنُّن الحاجات. {بصيرٌ}: يبصر دبيبَ النملة السوداء، على الصَّخرة الصمَّاء، في الليلة الظلماء. وهذا إخبارٌ عن كمال سمعه وبصره، وإحاطتهما بالأمور الدَّقيقة والجليلة، وفي ضمن ذلك الإشارة بأنَّ الله [تعالى] سيزيلُ شكواها ويرفع بلواها، ولهذا ذكر حكمها وحكمَ غيرها على وجه العموم، فقال:
# {2} {الذين يظاهِرونَ منكم من نسائِهِم ما هنَّ أمَّهاتِهم إن أمَّهاتُهم إلاَّ اللاَّئي وَلَدْنَهم}: المظاهرة من الزوجة أن يقولَ الرجل لزوجته: أنت عليَّ كظهرِ أمِّي، أو غيرها من محارمه، أو أنت عليَّ حرامٌ. وكان المعتاد عندَهم في هذا اللفظ الظهر، ولهذا سماه الله ظِهاراً، فقال: {الذين يظاهِرون منكم من نسائِهِم ما هنَّ أمَّهاتِهم}؛ أي: كيف يتكلَّمون بهذا الكلام الذي يعلمون أنَّه لا حقيقة له، فيشبهون أزواجهم بأمَّهاتِهم اللاَّتي ولدنهم؟! ولهذا عظَّم الله أمره وقبَّحه، فقال: {وإنَّهم لَيقولونَ منكراً من القول وزوراً}؛ أي: قولاً شنيعاً وكذباً ، {وإنَّ الله لَعَفُوٌّ غفورٌ}: عمَّن صَدَرَ منه بعضُ المخالفات فتداركَها بالتَّوْبَةِ النَّصوح.
# {3} {والذين يظاهِرونَ من نسائِهِم ثم يعودونَ لِما قالوا}: اختلف العلماء في معنى العَوْد، فقيل معناه العزمُ على جماع مَنْ ظاهر منها، وأنَّه بمجرَّد عزمِهِ؛ تجب عليه الكفَّارة المذكورة، ويدلُّ على هذا أنَّ الله تعالى ذَكَرَ في الكفَّارة أنَّها تكون قبل المسيس، وذلك إنَّما يكون بمجرَّد العزم، وقيل: معناه حقيقةُ الوطءِ، ويدلُّ على ذلك أنَّ الله قال: {ثم يعودونَ لِما قالوا}، والذي قالوا إنَّما هو الوطءُ، وعلى كلٍّ من القولين؛ فإذا وُجِدَ العَوْدُ؛ صار كفارةُ هذا التحريم {تحرير رقبةٍ}: مؤمنةٍ؛ كما قُيِّدَتْ في آية القتل ؛ ذكرٍ أو أنثى؛ بشرط أن تكون سالمةً من العيوب الضارَّة بالعمل {من قبل أن يَتَماسَّا}؛ أي: يلزم الزوج أن يترك وطء زوجته التي ظاهر منها حتى يكفِّرَ برقبة. {ذلكم}: الحكم الذي ذكرناه لكم {توعظونَ به}؛ أي: يبيِّن لكم حكمه مع الترهيب المقرون به؛ لأن معنى الوعظ ذكر الحكم مع الترغيب والترهيب فالذي يريد أن يظاهر؛ إذا ذَكَرَ أنَّ عليه عتقَ رقبةٍ؛ كفَّ نفسه عنه. {واللهُ بما تعملونَ خبيرٌ}: فيجازي كلَّ عامل بعمله.
# {4} {فمن لم يجِدْ}: رقبةً يُعْتِقُها؛ بأن لم يجِدْها أو لم يجِدْ ثَمَنَها، {فـ} عليه {صيامُ شهرين متتابعين من قبل أن يَتَماسَّا فمَن لمْ يَسْتَطِعْ}: الصيام، {فإطعامُ ستينَ مسكيناً}: إمَّا أنْ يطعِمَهم من قوت بلده ما يكفيهم؛ كما هو قول كثيرٍ من المفسِّرين، وإمَّا أنْ يطعِمَ كلَّ مسكين مُدَّ بُرٍّ أو نصفَ صاع من غيره مما يُجْزِي في الفطرة؛ كما هو قول طائفة أخرى. {ذلك}: الحكم الذي بيَّنَّاه لكم ووضَّحناه، {لتؤمِنوا بالله ورسولِهِ}: وذلك بالتزام هذا الحكم وغيره من الأحكام والعمل به؛ فإنَّ التزام أحكام الله والعمل بها من الإيمانِ، بل هي المقصودةُ، ويزداد بها الإيمانُ ويكمُلُ وينمو. {وتلك حدودُ اللهِ}: التي تمنع من الوقوع فيها، فيجب أن لا تُتَعَدَّى ولا يُقَصَّرَ عنها. {وللكافرين عذابٌ أليمٌ}.
وفي هذه الآيات عدَّة أحكام: منها: لطفُ الله بعباده واعتناؤه بهم؛ حيث ذَكَرَ شكوى هذه المرأة المصابة، وأزالها، ورَفَعَ عنها البلوى، بل رفع البلوى بحكمِهِ العامِّ لكلِّ مَن ابتلي بمثل هذه القضيَّة. ومنها: أن الظِّهار مختصٌّ بتحريم الزوجة؛ لأنَّ الله قال: {من نسائهم}؛ فلو حرم أمته؛ لم يكن ذلك ظهاراً، بل هو من جنس تحريم الطيبات كالطعام والشراب؛ تجب فيه كفارة اليمين فقط. ومنها: أنّه لا يصحُّ الظِّهار من امرأة قبل أن يتزوَّجها؛ لأنَّها لا تدخل في نسائه وقت الظهار؛ كما لا يصح طلاقها؛ سواء نجز ذلك أو علقه. ومنها: أن الظِّهار محرَّم؛ لأن الله سماه {منكراً من القولِ وزُوراً}. ومنها: تنبيه الله على الحكم وحكمته؛ لأن الله قال: {ما هُنَّ أمَّهاتِهم}. ومنها: أنَّه يُكره للرجل أن ينادي زوجته ويدعوها باسم محارمه؛ كقوله: يا أمي يا أختي ونحو ذلك؛ لأنَّ ذلك يشبه المحرَّم. ومنها: أنَّ الكفَّارة إنَّما تجب بالعَوْدِ؛ لما قال المظاهِرُ على اختلاف القولين السابقين، لا بمجرَّد الظهار. ومنها: أنَّه يجزئ في كفارة الرَّقبة الصغير والكبير والذَّكر والأنثى؛ لإطلاق الآية في ذلك. ومنها: أنَّه يجب إخراجها إذا كانت عتقاً أو صياماً قبل المسيس؛ كما قيَّده الله؛ بخلاف كفَّارة الإطعام؛ فإنَّه يجوز المسيس والوطءُ في أثنائها. ومنها: أنَّه لعلَّ الحكمة في وجوب الكفارة قبل المسيس أنَّ ذلك أدعى لإخراجها؛ فإنَّه إذا اشتاق إلى الجماع، وعلم أنَّه لا يمكَّن من ذلك إلاَّ بعد الكفارة؛ بادرَ بإخراجها. ومنها: أنَّه لا بدَّ من إطعام ستين مسكيناً؛ فلو جمع طعام ستين مسكيناً، ودفعها لواحدٍ أو أكثر من ذلك دون الستين؛ لم يجزْ ذلك؛ لأنَّ الله قال: {فإطعامُ ستينَ مسكيناً}.
آية: 5 #
{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5)}.
# {5} محادَّة الله ورسوله مخالفتُهما ومعصيتُهما، خصوصاً في الأمور الفظيعة؛ كمحادَّة الله ورسوله بالكفر ومعاداة أولياء الله. وقوله: {كُبِتُوا كما كُبِتَ الذين من قبلهم}؛ أي: أذِلُّوا وأهينوا كما فُعِلَ بمن قبلَهم جزاءً وِفاقاً، وليس لهم حجَّةٌ على الله؛ فإنَّ الله قد قامت حجَّته البالغةُ على الخلق، وقد أنزل من الآيات البيِّناتِ والبراهين ما يبيِّنُ الحقائق ويوضِّحُ المقاصدَ؛ فمن اتَّبعها وعمل عليها، فهو من المهتدين الفائزين. {وللكافرين}: بها {عذابٌ مهينٌ}؛ أي: يهينهم ويُذِلُّهم؛ فكما تكبَّروا عن آيات الله؛ أهانهم وأذلَّهم.
آية: 6 - 7 #
{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)}.
# {6} يقول الله تعالى: {يوم يبعثهم اللهُ} الخلقَ جميعاً فيقومون من أجداثهم سريعاً، فيجازيهم بأعمالهم؛ وينبِّئهم بما عملوا من خيرٍ وشرٍّ؛ لأنَّه علم ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ، وأمر الملائكة الكرام الحَفَظَة بكتابته، هذا والعاملون قد نسوا ما عملوه والله أحصى ذلك. {والله على كلِّ شيءٍ شهيدٌ}: على الظَّواهر والسَّرائر والخبايا والخفايا.
# {7} ولهذا أخبر عن سعةِ علمه وإحاطته بما في السماواتِ والأرض من دقيق وجليل، وأنَّه {ما يكون من نَجْوى ثلاثةٍ إلاَّ هو رابِعُهم ولا خمسةٍ إلاَّ هو سادِسُهم ولا أدنى مِن ذلك ولا أكثر إلاَّ هو مَعَهُم أينما كانوا}: والمراد بهذه المعيَّة معيَّةُ العلم والإحاطة بما تناجَوْا به وأسرُّوه فيما بينَهم، ولهذا قال: {إنَّ الله بكلِّ شيءٍ عليمٌ}.
ثم قال تعالى:
آية: 8 - 9 #
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9)}.
# {8 ـ 9} النَّجْوى هي التناجي بين اثنين فأكثر، وقد تكون في الخير وتكونُ في الشرِّ، فأمر الله المؤمنين أنْ يَتَناجَوْا بالبرِّ، وهو اسمٌ جامعٌ لكلِّ خيرٍ وطاعةٍ وقيام بحقِّ الله وحقِّ عباده ، والتَّقوى، وهي هنا اسمٌ جامعٌ لترك جميع المحارم والمآثم؛ فالمؤمن يمتثل هذا الأمر الإلهيَّ؛ فلا تجده مناجياً ومتحدثاً إلاَّ بما يقرِّبه إلى الله ويباعده من سخطه، والفاجر يتهاونُ بأمر الله ويناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول؛ كالمنافقين الذين هذا دأبهم وحالهم مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: {وإذا جاؤوك حَيَّوْكَ بما لمْ يُحَيِّكَ به الله}؛ أي: يسيئون الأدب في تحيَّتهم لك، {ويقولونَ في أنفُسِهم}؛ أي: يسرُّون فيها ما ذكره عالم الغيب والشهادة عنهم، وهو قولهم: {لولا يُعَذِّبنا الله بما نقولُ}: ومعنى ذلك أنَّهم يتهاونون بذلك، ويستدلُّون بعدم تعجيل العقوبة عليهم أنَّ ما يقولونه غيرُ محذورٍ، قال تعالى في بيان أنَّه يمهِلُ ولا يهمِلُ: {حَسْبُهُم جهنَّمُ يَصْلَوْنها فبئس المصيرُ}؛ أي: تكفيهم جهنَّم التي جمعت كلَّ عذابٍ وشقاء عليهم، تحيط بهم ويعذَّبون بها؛ فبئس المصير. وهؤلاء المذكورون إما أناس من المنافقين، يظهِرون الإيمان ويخاطبون الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذا الخطاب الذي يوهمون أنَّهم أرادوا به خيراً، وهم كذبةٌ في ذلك، وإما أناسٌ من أهل الكتاب الذين إذا سلَّموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قالوا: السام عليك يا محمد. يعنون: الموت.
آية: 10 #
{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)}.
# {10} يقول تعالى: {إنَّما النَّجوى}؛ أي: تناجي أعداء المؤمنين بالمؤمنين بالمكرِ والخديعة وطلب السوءِ من الشيطان الذي كيدُهُ ضعيفٌ، [ومكره غير مفيد] {ليحزنَ الذين آمنوا}: هذا غايةُ هذا المكر ومقصوده، {وليس بضارِّهم شيئاً إلاَّ بإذنِ الله}: فإنَّ الله [تعالى] وَعَدَ المؤمنين بالكفاية والنصر على الأعداء، وقال تعالى: {ولا يَحيقُ المكرُ السيِّئُ إلاَّ بأهلِهِ}: فأعداء الله ورسوله والمؤمنين مهما تَناجَوْا ومَكَروا؛ فإنَّ ضَرَرَ ذلك عائدٌ إلى أنفسهم ، ولا يضرُّ المؤمنين إلاَّ شيءٌ قدَّره الله وقضاه. {وعلى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون}؛ أي: ليعتمدوا عليه ويَثِقوا بوعده؛ فإنَّ مَن تَوَكَّلَ على الله؛ كَفاه وكَفاه أمرَ دينِهِ ودُنياه.
آية: 11 #
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
# {11} هذا أدبٌ من الله لعباده [المؤمنين] إذا اجتمعوا في مجلس من مجالس مجتمعاتهم، واحتاجَ بعضُهم أو بعضُ القادمين [عليهم] للتفسُّح له في المجلس؛ فإنَّ من الأدب أن يَفْسَحوا له؛ تحصيلاً لهذا المقصود، وليس ذلك بضارٍّ للفاسح شيئاً، فيحصلُ مقصود أخيه من غير ضررٍ يلحقه، والجزاء من جنس العمل؛ فإنَّ من فَسَحَ؛ فَسَحَ الله له، ومن وسَّع لأخيه؛ وسَّع الله عليه، {وإذا قيل انشُزوا}؛ أي: ارتفعوا وتَنَحَّوْا عن مجالسكم لحاجةٍ تعرِضُ، {فانشُزوا}؛ أي: فبادروا للقيام لتحصيل تلك المصلحة؛ فإنَّ القيام بمثل هذه الأمور من العلم والإيمان، والله تعالى يرفع أهل العلم والإيمان درجاتٍ بحسب ما خصَّهم [اللَّه] به من العلم والإيمان. {والله بما تعملونَ خبيرٌ}: فيجازي كلَّ عامل بعمله؛ إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. وفي هذه الآية فضيلة العلم، وأنَّ زينته وثمرتَه التأدُّب بآدابه والعمل بمقتضاه.
آية: 12 - 13 #
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)}.
# {12} يأمر تعالى المؤمنين بالصَّدقة أمام مناجاة رسوله محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - تأديباً لهم وتعليماً وتعظيماً للرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنَّ هذا التعظيم خيرٌ للمؤمنين وأطهر؛ أي: بذلك يكثر خيركم وأجركم، وتحصُلُ لكم الطهارة من الأدناس، التي من جملتها ترك احترام الرسول - صلى الله عليه وسلم - والأدبِ معه بكثرة المناجاة التي لا ثمرةَ تحتها؛ فإنَّه إذا أمر بالصدقة بين يدي مناجاتِهِ؛ صار هذا ميزاناً لمن كان حريصاً على العلم والخير ؛ فلا يُبالي بالصدقة، ومَنْ لم يكن له حرصٌ ولا رغبةٌ في الخير، وإنَّما مقصودُه مجرَّدُ كثرة الكلام، فينكفُّ بذلك عن الذي يشقُّ على الرسول، هذا في الواجد للصدقة، وأما الذي لا يجد الصدقة؛ فإنَّ الله لم يضيِّقْ عليه الأمر، بل عفا عنه وسامَحَه وأباح له المناجاة بدون تقديم صدقةٍ لا يقدِرُ عليها.
# {13} ثم لما رأى [تبارك و] تعالى شفقةَ المؤمنين ومشقَّةَ الصدقاتِ عليهم عند كلِّ مناجاةٍ؛ سهَّل الأمر عليهم، ولم يؤاخِذْهم بترك الصدقة بين يدي المناجاة، وبقي التعظيم للرسول والاحترام بحاله لم يُنْسَخْ؛ لأنَّ هذا [الحكمَ] من باب المشروع لغيره، ليس مقصوداً لنفسه، وإنَّما المقصود هو الأدب مع الرسول والإكرام له، وأمرهم تعالى أن يقوموا بالمأمورات الكبارِ المقصودةِ بنفسها، فقال: {فإذْ لم تَفْعَلوا}؛ أي: لم يهنْ عليكم تقديم الصدقةِ، ولا يكفي هذا؛ فإنَّه ليس من شرط الأمر أن يكون هيناً على العبد، ولهذا قيَّده بقوله: {وتاب الله عليكم}؛ أي: عفا لكم عن ذلك، {فأقيموا الصلاة}: بأركانها وشروطها وجميع حدودها ولوازمها، {وآتوا الزَّكاةَ}: المفروضة في أموالكم إلى مستحقِّيها. وهاتان العبادتان هما أمُّ العبادات البدنيَّة والماليَّة؛ فمن قام بهما على الوجه الشرعيِّ؛ فقد قام بحقوق الله وحقوق عباده، ولهذا قال بعده: {وأطيعوا اللهَ ورسولَه}: وهذا أشملُ ما يكون من الأوامر، فيدخُلُ في ذلك طاعة الله وطاعة رسوله بامتثال أوامرِهما واجتنابِ نواهيهما وتصديق ما أخبرا به والوقوفِ عند حدودِ الشرع ، والعبرةُ في ذلك على الإخلاص والإحسان؛ فلهذا قال: {والله خبيرٌ بما تعملون}: فيعلم تعالى أعمالهم، وعلى أيِّ وجه صَدَرَتْ، فيجازيهم على حسب علمه بما في صدورهم.
آية: 14 - 19 #
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19)}.
# {14 ـ 15} يخبر تعالى عن شناعة حال المنافقين، الذين يَتَوَلَّوْنَ الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم ممَّن غَضِبَ الله عليهم ونالوا من لعنةِ الله أوفى نصيبٍ، وأنَّهم ليسوا من المؤمنين ولا من الكافرين: {مُذَبْذَبين بين ذلك لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاءِ}: فليسوا مؤمنين ظاهراً وباطناً؛ لأنَّ باطنهم مع الكفار، ولا مع الكفار ظاهراً وباطناً؛ لأنَّ ظاهرهم مع المؤمنين، وهذا وصفهم الذي نعتهم الله به، والحالُ أنَّهم يحلفون على ضدِّه الذي هو الكذب، فيحلفون أنَّهم مؤمنون، والحال أنَّهم ليسوا مؤمنين، فجزاءُ هؤلاء الخونة الفجرة الكَذَبة أنَّ الله أعدَّ لهم عذاباً شديداً لا يقادَرُ قدرُه ولا يُعْلَم وصفُه؛ {إنَّهم ساء ما كانوا يعملون}: حيث عملوا بما يُسْخِطُ الله ويوجِبُ عليهم العقوبة واللعنة.
# {16} {اتَّخذوا أيمانَهم جُنَّةً}؛ أي: ترساً ووقايةً يتَّقون بها من لوم الله ورسوله والمؤمنين، فبسبب ذلك صدُّوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله، وهو الصراط الذي مَن سَلَكَه؛ أفضى به إلى جنات النعيم، ومن صدَّ عنه؛ فليس إلاَّ الصراط الموصل إلى الجحيم، {فلهم عذابٌ مهينٌ}: حيث استَكْبَروا عن الإيمان بالله والانقياد لآياته؛ أهانهم بالعذاب السرمديِّ الذي لا يُفَتَّر عنهم ساعةً ولا هم يُنْظَرونَ.
# {17} {لن تُغْنِيَ عنهم أموالُهم ولا أولادُهم من الله شيئاً}؛ أي: لا تَدْفَعُ عنهم شيئاً من العذاب، ولا تحصِّلُ لهم قسطاً من الثواب، {أولئك أصحابُ النار}: الملازمون لها، الذين لا يخرُجون عنها، و {هم فيها خالدون}.
# {18} ومن عاش على شيءٍ؛ مات عليه؛ فكما أنَّ المنافقين في الدُّنيا يموِّهون على المؤمنين ويحلفون لهم أنَّهم مؤمنون، فإذا كان يوم القيامةِ وبعثَهُم الله جميعاً؛ حلفوا لله كما حلفوا للمؤمنين، ويحسبون في حلفهم هذا {أنَّهم على شيءٍ}: لأنَّ كفرهم ونفاقهم وعقائدهم الباطلة لم تَزَلْ تَرْسخُ في أذهانهم شيئاً فشيئاً، حتى غرَّتهم وظنُّوا أنَّهم على شيءٍ يعتدُّ به ويعلَّقُ عليه الثواب، وهم كاذبون في ذلك، ومن المعلوم أن الكذِبَ لا يروجُ على عالم الغيب والشهادة.
# {19} وهذا الذي جرى عليهم من استحواذِ الشيطان الذي استولى عليهم وزَيَّنَ لهم أعمالهم وأنساهم ذِكْرَ الله، وهو العدوُّ المبينُ الذي لا يريدُ بهم إلاَّ الشرَّ، إنَّما يدعو حِزْبَه ليكونوا من أصحاب السعير، {أولئك حزبُ الشيطان ألا إنَّ حزبَ الشيطانِ هم الخاسرون}: الذين خسروا دينَهم ودُنياهم وأنْفُسَهم وأهليهم.
آية: 20 - 21 #
{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)}.
# {20 ـ 21} هذا وعدٌ ووعيدٌ، وعيدٌ لمن حادَّ الله ورسوله بالكفر والمعاصي أنَّه مخذولٌ مذلولٌ لا عاقبةَ له حميدةٌ، ولا رايةَ له منصورةٌ، ووعدٌ لمن آمن به وبرسله واتَّبع ما جاء به المرسلون فصار من حزبِ الله المفلحين أنَّ لهم الفتحَ والنصرَ والغلبةَ في الدُّنيا والآخرة، وهذا وعدٌ لا يُخْلَفُ ولا يغيَّر؛ فإنَّه من الصادق القويِّ العزيز الذي لا يعجِزُه شيءٌ يريده.
آية: 22 #
{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)}.
# {22} يقول تعالى: {لا تَجِدُ قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخرِ يوادُّونَ من حادَّ الله ورسولَه}؛ أي: لا يجتمع هذا وهذا، فلا يكون العبدُ مؤمناً بالله واليوم الآخر حقيقةً إلاَّ كان عاملاً على مقتضى إيمانه ولوازمه من محبَّةِ مَنْ قام بالإيمان وموالاته وبُغْضِ مَنْ لم يَقُمْ به ومعاداتِهِ، ولو كان أقربَ الناس إليه، وهذا هو الإيمان على الحقيقة، الذي وجدت ثمرته والمقصود منه، وأهل هذا الوصف هم الذين {كَتَبَ} الله {في قلوبهم الإيمان}؛ أي: رسمه وثبَّته وغرسه غرساً لا يتزلزلُ ولا تؤثِّر فيه الشُّبه والشُّكوك، وهم الذين قواهم الله {بروح منه}؛ أي: بوحيه ومعونته ومدده الإلهي وإحسانه الرباني وهم الذين لهم الحياة الطيبة في هذه الدار، ولهم جناتُ النعيم في دار القرار، التي فيها كلُّ ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين وتختارُ، ولهم أفضل النعيم وأكبره ، وهو أنَّ اللهَ يُحِلُّ عليهم رضوانَه؛ فلا يسخطُ عليهم أبداً، ويرضَوْن عن ربِّهم بما يعطيهم من أنواع الكرامات ووافر المَثوبات وجزيل الهِبات ورفيع الدَّرجات؛ بحيث لا يَرَوْنَ فوق ما أعطاهم مولاهم غايةً ولا وراءه نهايةً، وأما مَنْ يزعُمُ أنَّه يؤمن بالله واليوم الآخر، وهو مع ذلك موادٌّ لأعداء الله محبٌّ لمن نَبَذَ الإيمان وراء ظهرِهِ؛ فإنَّ هذا إيمانٌ زعميٌّ لا حقيقة له؛ فإنَّ كلَّ أمرٍ لا بدَّ له من برهانٍ يصدِّقه؛ فمجرَّدُ الدعوى لا تفيدُ شيئاً ولا يصدَّقُ صاحبها. والحمد لله.
* * *