آية:
تفسير سورة الحج
تفسير سورة الحج
قيل مكية وقيل مدنية
آية: 1 - 2 #
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)}.
# {1} يخاطب الله الناس كافَّة بأن يتَّقوا ربَّهم الذي ربَّاهم بالنعم الظاهرة والباطنة، فحقيقٌ بهم أن يتَّقوه بترك الشِّرك والفسوق والعصيان، ويمتثلوا أوامره مهما استطاعوا. ثم ذكر ما يعينُهم على التَّقوى ويحذِّرهم من تركها، وهو الإخبارُ بأهوال القيامة، فقال: {إنَّ زلزلةَ الساعة شيءٌ عظيمٌ}: لا يُقْدَرُ قَدْرُه ولا يُبْلَغُ كُنْهُهُ، ذلك بأنَّها إذا وقعت الساعة؛ رجفتِ الأرض، وارتجَّت، وزُلزلت زلزالها، وتصدَّعت الجبال، واندكَّت، وكانت كثيباً مهيلاً، ثم كانت هباءً منبثاً، ثم انقسم الناس ثلاثة أزواج؛ فهناك تنفطر السماء، وتكوَّر الشمس والقمر، وتنتثرُ النجوم، ويكون من القلاقل والبلابل ما تنصدعُ له القلوب، وتَجِل منه الأفئدة، وتشيبُ منه الولدان، وتذوبُ له الصمُّ الصلاب.
# {2} ولهذا قال: {يوم تَرَوْنَها تذهلُ كلُّ مرضعةٍ عمَّا أرضعتْ}: مع أنَّها مجبولةٌ على شدَّةِ محبَّتها لولدِها، خصوصاً في هذه الحال التي لا يعيش إلاَّ بها، {وتضعُ كلُّ ذات حَمْل حَمْلَها}: من شدَّة الفزع والهول، {وَتَرى الناسَ سُكارى وما هم بِسُكارى}؛ أي: تحسبُهم أيُّها الرائي لهم سكارى من الخمر، وليسوا سكارى. {ولكنَّ عذابَ الله شديدٌ}: فلذلك أذهَبَ عقولَهم، وفَرَّغَ قلوبَهم، وملأها من الفزع، وبلغت القلوب الحناجرَ، وشخصتِ الأبصار، [و] في ذلك اليوم لا يَجْزي والدٌ عن ولدِهِ، ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً، ويومئذٍ يَفِرُّ المرء من أخيه وأمِّه وأبيه وصاحبتِهِ وفصيلتِهِ التي تؤويه، لكلِّ امرئٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغنيه، وهناك يعضُّ الظالم على يديهِ يقولُ يا ليتني اتَّخذتُ مع الرسولِ سبيلاً، يا ويلتى ليتني لم أتَّخِذْ فلاناً خليلاً، وتسودُّ حينئذٍ وجوهٌ وتبيضُّ وجوهٌ، وتُنْصَبُ الموازين التي يوزَنُ بها مثاقيلُ الذَّرِّ من الخير والشرِّ، وتُنْشَرُ صحائفُ الأعمال وما فيها من جميع الأعمال والأقوال والنيَّات من صغير وكبيرٍ، ويُنْصَبُ الصراط على متن جهنَّم، وتُزْلَفُ الجنَّةُ للمتقين، وبُرِّزَتِ الجحيمُ للغاوين، إذا رأتْهم من مكانٍ بعيدٍ سمعوا لها تغيُّظاً وزفيراً، وإذا أُلْقوا منها مكاناً ضيِّقاً مقرَّنينَ دَعَوْا هنالك ثُبوراً، ويُقالُ لهم: لا تدعوا اليومَ ثُبوراً واحداً وادْعوا ثُبوراً كثيراً، وإذا نادَوْا ربَّهم ليُخْرِجَهم منها؛ قال: اخسؤوا فيها ولا تكلِّمونِ؛ قد غضب عليهم الربُّ الرحيم، وحَضَرَهُمُ العذابُ الأليم، وأيسوا من كلِّ خير، ووجدوا أعمالهم كلَّها، لم يفقدوا منها نقيراً ولا قِطْميراً. هذا؛ والمتَّقون في روضات الجناتِ يُحْبَرون، وفي أنواع اللَّذَّات يَتَفَكَّهون، وفيما اشتهتْ أنفسهم خالِدون؛ فحقيقٌ بالعاقل الذي يعرِفُ أنَّ كلَّ هذا أمامه أن يُعِدَّ له عدَّتَه، وأن لا يُلْهِيَهُ الأمل فيتركَ العمل، وأنْ تكون تقوى الله شعاره، وخوفُه دثاره، ومحبَّة الله وذكرُه روح أعماله.
آية: 3 - 4 #
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4)}.
# {3 ـ 4} أي: ومن الناس طائفةٌ وفرقةٌ؛ سلكوا طريق الضَّلال، وجعلوا يجادلون بالباطل الحقَّ؛ يريدون إحقاق الباطل وإبطال الحقِّ، والحال أنَّهم في غاية الجهل، ما عندهم من العلم شيء، وغاية ما عندهم تقليد أئمَّة الضَّلال من كلِّ شيطان مَريدٍ متمرِّدٍ على الله وعلى رسلِهِ معاندٍ لهم، قد شاقَّ الله ورسوله، وصار من الأئمة الذين يدعون إلى النار. {كُتِبَ عليه}؛ أي: قدِّر على هذا الشيطان المريد، {أنَّه مَنْ تولاَّه}؛ أي: اتَّبعه؛ {فأنَّه يضلُّه}: عن الحقِّ ويجنِّبه الصراط المستقيم؛ {ويهديهِ إلى عذابِ السَّعير}: وهذا نائبُ إبليس حقًّا؛ فإنَّ اللَّه قال عنه: {إنَّما يدعو حِزْبَهُ ليكونوا من أصحاب السَّعير}. فهذا الذي يجادلُ في الله قد جمع بين ضلالِهِ بنفسِهِ وتصدِّيه إلى إضلال الناس، وهو متَّبعٌ ومقلِّد لكلِّ شيطان مَريدٍ، ظلماتٌ بعضها فوق بعض، ويدخل في هذا جمهورُ أهل الكفر والبدع؛ فإنَّ أكثرهم مقلِّدةٌ يجادلون بغير علم.
آية: 5 - 7 #
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)}.
# {5} يقول تعالى: {يا أيُّها الناس إن كنتُم في ريبٍ من البعث}؛ أي: شكٍّ واشتباه وعدم علم بوقوعه، مع أن الواجب عليكم أن تصدِّقوا ربَّكم وتصدِّقوا رسلَه في ذلك، ولكن إذا أبيتُم إلاَّ الرَّيْب؛ فهاكم دليلين عقليَّين تشاهدونهما، كلُّ واحدٍ منهما يدلُّ دلالةً قطعيةً على ما شككتُم فيه، ويُزيل عن قلوبكم الريب: أحدهما: الاستدلال بابتداء خَلْق الإنسان، وأنَّ الذي ابتدأه سيعيدُه، فقال فيه: {فإنَّا خَلَقْناكم من تُرابٍ}: وذلك بخَلْق أبي البشر آدم عليه السلام، {ثمَّ من نطفةٍ}؛ أي: منيٍّ، وهذا ابتداء أول التخليق، {ثم من عَلَقَةٍ}؛ أي: تنقِلبُ تلك النطفة بإذن الله دماً أحمر، {ثم من مُضْغَةٍ}؛ أي: ينتقل الدم مضغةً؛ أي: قطعة لحم بقدر ما يُمضغ، وتلك المضغةُ تارة تكون {مخلَّقة}؛ أي: مصوَّر منها خلق الآدميِّ. وتارة {غير مُخَلَّقة}: بأن تقذِفَها الأرحام قبل تخليقها، {لنبيِّنَ لكم}: أصل نشأتكم؛ مع قدرتِهِ تعالى على تكميل خَلْقِه في لحظة واحدة، ولكن ليُبَيِّنَ لنا كمال حكمتِهِ وعظيم قدرتِهِ وسعة رحمتِهِ. {وَنُقِرُّ في الأرحام ما نشاءُ إلى أجل مسمًّى}: [أي:] ونُقِرُّ؛ أي: نبقي في الأرحام من الحَمْل الذي لم تقذِفْه الأرحامُ ما نشاء إبقاءه إلى أجل مسمّى، وهو مدَّة الحمل، {ثم نخرِجُكم}: من بطون أمهاتكم {طفلاً}: لا تعلمون شيئاً، وليس لكم قدرةٌ، وسخَّرنا لكم الأمهاتِ، وأجْرَيْنا لكم في ثديها الرزق، ثم تُنَقَّلونَ طوراً بعد طورٍ حتى تبلغوا أشُدَّكُم، وهو كمال القوة والعقل. {ومنكُم من يُتَوَفَّى}: من قبل أن يبلغَ سنَّ الأشُدِّ، ومنكُم مَنْ يتجاوزُه فيردُّ {إلى أرذل العمر}؛ أي: أخسِّه وأرذلِهِ، وهو سنُّ الهرم والتخريف، الذي به يزول العقلُ ويضمحلُّ كما زالت باقي القوة وضعفت، {لِكَيْلا يعلمَ من بعدِ علم شيئاً}؛ أي: لأجل أن لا يَعْلَمَ هذا المعمَّر شيئاً مما كان يعلمه قبل ذلك، وذلك لضعف عقله؛ فقوة الآدميِّ محفوفةٌ بضعفين: ضعفُ الطفوليَّة ونقصُها، وضعف الهرم ونقصُه؛ كما قال تعالى: {الله الذي خلقكم من ضَعْفٍ ثم جعل من بعد ضعف قُوَّةً ثم جَعَلَ من بعد قُوَّةٍ ضَعْفاً وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يشاءُ وهو العليم القدير}. والدليل الثاني: إحياء الأرض بعد موتها، فقال الله فيه: {وترى الأرض هامدةً}؛ أي: خاشعة مغبرَّةً لا نباتَ فيها ولا خُضرة، {فإذا أنْزَلْنا عليها الماء اهتزَّتْ}؛ أي: تحرَّكت بالنبات، {وَرَبَتْ}؛ أي: ارتفعت بعد خُشوعها، وذلك لزيادة نباتها، {وأنبتتْ من كلِّ زوج}؛ أي: صنف من أصناف النبات {بَهيج}؛ أي: يُبْهجُ الناظرين ويسرُّ المتأملين.
# {6 ـ 7} فهذان الدليلان القاطعان يدلاَّن على هذه المطالب الخمسةَ، وهي هذه: {ذلك}: الذي أنشأ الآدميَّ من ما وَصَفَ لكم وأحيا الأرض بعد موتها، {بأنَّ الله هو الحقُّ}؛ أي: الربُّ المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له، وعبادتُهُ هي الحقُّ، وعبادة غيره باطلةٌ. {وأنَّه يُحيي الموتى}: كما ابتدأ الخلق، وكما أحيا الأرض بعد موتها، {وأنَّه على كلِّ شيء قديرٌ}: كما أشهدكم من بديع قدرته وعظيم صنعته ما أشهدكم، {وأنَّ الساعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها}: فلا وجه لاستبعادها، {وأنَّ الله يبعثُ مَن في القبورِ}: فيجازيكم بأعمالكم حسنها وسيئها.
آية: 8 - 10 #
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) [ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10)}].
# {8} المجادلة المتقدِّمة للمقلِّد، وهذه المجادلة للشيطان المريد الدَّاعي إلى البدع، فأخبر أنَّه {يجادِلُ في الله}؛ أي: يجادِلُ رسلَ الله وأتباعهم بالباطل لِيُدْحِضَ به الحقَّ، {بغير علم}: صحيح، {ولا هدىً}؛ أي: غير متَّبع في جداله هذا مَن يهديه؛ لا عقل مرشد، ولا متبوع مهتدٍ، {ولا كتابٍ منيرٍ}؛ أي: واضح بيِّن؛ [أي:] فلا له حجَّة عقليَّة ولا نقليَّة، إن هي إلاَّ شبهاتٌ يوحيها إليه الشيطان، وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم لِيجادِلوكم.
# {9} ومع هذا: {ثانيَ عِطْفِهِ}؛ أي: لاوي جانبه وعنقه، وهذا كنايةٌ عن كبره عن الحقِّ واحتقاره للخلق؛ فقد فرح بما معه من العلم غير النافع، واحتقر أهل الحقِّ وما معهم من الحقِّ؛ {ليضلَّ} الناس؛ أي: ليكون من دعاة الضَّلال. ويدخل تحت هذا جميع أئمة الكفر والضلال. ثم ذَكَرَ عقوبتهم الدنيويَّة والأخرويَّة، فقال: {له في الدُّنيا خِزْيٌ}؛ أي: يفتضح هذا في الدُّنيا قبل الآخرة. وهذا من آياتِ الله العجيبة؛ فإنَّك لا تَجِدُ داعياً من دعاة الكفر والضلال إلاَّ وله من المَقْتِ بين العالمين واللعنة والبُغض والذَّمِّ ما هو حقيقٌ به، وكلٌّ بحسب حاله. {ونذيقُهُ يومَ القيامةِ عذابَ [الحريق]}؛ أي: نذيقُه حَرَّها الشديد وسعيرها البليغ، وذلك بما قدَّمت يداه. {[وأن اللَّه ليس بظلامٍ للعبيد]}.
آية: 11 - 13 #
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)}.
# {11} أي: ومن الناس مَنْ هو ضعيفُ الإيمان، لم يدخُل الإيمان قلبَه، ولم تخالطْه بشاشتُه، بل دخل فيه إمَّا خوفاً وإمَّا عادة على وجهٍ لا يثبتُ عند المحن. {فإنْ أصابَه خيرٌ اطمأنَّ به}؛ أي: إن استمرَّ رزقُه رغداً ولم يحصُل له من المكاره شيءٌ اطمأنَّ بذلك الخير، لا إيمانه ؛ فهذا ربَّما أنَّ الله يعافيه ولا يقيِّضُ له من الفتن ما ينصرفُ به عن دينه. {وإنْ أصابتْه فتنةٌ}: من حصول مكروهٍ أو زوال محبوبٍ؛ {انقلبَ على وجهِهِ}؛ أي: ارتدَّ عن دينه؛ {خَسِرَ الدُّنيا والآخرة}: أما في الدُّنيا؛ فإنَّه لا يحصُل له بالردة ما أمَّله، الذي جعل الردَّة رأساً لماله وعوضاً عما يظنُّ إدراكه، فخاب سعيُه، ولم يحصُل له إلاَّ ما قُسِم له، وأما الآخرةُ؛ فظاهرٌ، حُرِم الجنة التي عرضها السماوات والأرض، واستحقَّ النار. {ذلك هو الخسران المبين}؛ أي: الواضح البين.
# {12 ـ 13} {يدعو}: هذا الراجع على وجهِهِ من دون الله ما لا ينفعُه ولا يضرُّه، وهذا صفة كلِّ مدعوٍّ ومعبودٍ من دون الله؛ فإنه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضرًّا. {ذلك هو الضلال البعيدُ}: الذي قد بلغ في البعد إلى حدِّ النهاية؛ حيث أعرض عن عبادة النافع الضارِّ الغنيِّ المغني، وأقبل على عبادة مخلوقٍ مثله أو دونه، ليس بيده من الأمر شيء، بل هو إلى حصول ضدِّ مقصوده أقرب، ولهذا قال: {يدعو لَمَن ضَرُّه أقربُ من نفعِهِ}: فإنَّ ضرره في العقل والبدن والدُّنيا والآخرة معلوم. {لبئس المولى}؛ أي: هذا المعبود، {ولبئس العشيرُ}؛ أي: القرين الملازم على صحبته؛ فإنَّ المقصود من المولى والعشير حصول النفع ودفع الضرر؛ فإذا لم يحصل شيءٌ من هذا؛ فإنَّه مذموم ملوم.
آية: 14 #
{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14)}.
# {14} لما ذكر تعالى المجادل بالباطل، وأنَّه على قسمين: مقلِّدٍ وداعٍ؛ ذكر أن المتسمِّي بالإيمان أيضاً على قسمين: قسم لم يدخُل الإيمان قلبَه كما تقدَّم. والقسم الثاني: المؤمنُ حقيقةً؛ صدَّق ما معه من الإيمان بالأعمال الصالحة، فأخبر تعالى أنَّه يدخِلُهم {جناتٍ تجري من تحتها الأنهار}: وسمِّيت الجنة جنةً لاشتمالها على المنازل والقصور والأشجار والنوابت التي تُجِنُّ مَنْ فيها ويستترُ بها من كثرتها. {إنَّ الله يفعلُ ما يريدُ}: فمهما أراده تعالى؛ فَعَلَه؛ من غير ممانع ولا معارض، ومن ذلك إيصال أهل الجنة إليها، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمِهِ.
آية: 15 #
{مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15)}.
# {15} أي: من كان يظن أنَّ الله لا ينصر رسوله وأنَّ دينه سيضمحل فإنَّ النصر من الله ينزل من السماء، [{فَلْيَمدُد بِسَبَبٍ إلى السَّمَاءِ ثُمَّ ليَقطَع}: النصر عن الرسول] ، {فَليَنظُر هَل يُذْهِبَنَّ كَيدُهُ}؛ أي: ما يكيد به الرسول ويعمله من محاربته والحرص على إبطال دينه ما يُغيظُهُ من ظهورِ دينِهِ. وهذا استفهامٌ بمعنى النفي، وأنَّه لا يقدر على شفاء غيظه بما يعمله من الأسباب. ومعنى هذه الآية الكريمة: يا أيُّها المعادي للرسول محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، الساعي في إطفاء دينه، الذي يظنُّ بجهله أنَّ سعيه سيفيدُهُ شيئاً! اعلم أنَّك مهما فعلت من الأسباب، وسعيتَ في كيد الرسول؛ فإنَّ ذلك لا يُذْهِبُ غيظَكَ ولا يشفي كَمَدَكَ؛ فليس لك قدرةٌ في ذلك، ولكن سنشير عليك برأي تتمكَّن به من شفاء غيظِكَ ومن قطع النصر عن الرسول إن كان ممكناً: ائتِ الأمر مع بابِهِ، وارتقِ إليه بأسبابه: اعمدْ إلى حبل من ليفٍ أو غيره، ثم علِّقْه في السماء، ثم اصعدْ به حتى تَصِلَ إلى الأبواب التي ينزل منها النصرُ، فسدَّها وأغلِقْها واقطعْها؛ فبهذه الحال تشفي غيظك؛ فهذا هو الرأي والمكيدةُ، وأما سوى هذه الحال؛ فلا يخطر ببالك أنَّك تشفي بها غيظك، ولو ساعدك مَن ساعدك مِن الخلق. وهذه الآية الكريمة فيها من الوعد والبشارة بنصر الله لدينِهِ ولرسولِهِ وعباده المؤمنين ما لا يخفى، ومن تأييس الكافرين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، واللهُ متمُّ نورِهِ ولو كره الكافرون؛ أي: وسَعَوْا مهما أمكنهم.
آية: 16 #
{وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16)}.
# {16} أي: وكذلك لما فصَّلنا في هذا القرآن ما فصَّلنا؛ جعلناهُ آياتٍ بيناتٍ واضحاتٍ دالاَّتٍ على جميع المطالب والمسائل النافعة، ولكن الهداية بيد الله؛ فمن أراد اللهُ هدايته؛ اهتدى بهذا القرآن، وجعله إماماً له وقدوةً واستضاء بنورِهِ، ومن لم يرِدِ الله هدايته؛ فلو جاءتْه كلُّ آية؛ ما آمن ولم ينفعْه القرآنُ شيئاً، بل يكون حجةً عليه.
آية: 17 - 24 #
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)}.
# {17} يخبر تعالى عن طوائف أهل الأرض من الذين أوتوا الكتاب من المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين ومن المجوس ومن المشركين: أنَّ الله سيجمعُهم جميعهم ليوم القيامة، ويفصِلُ بينهم بحكمِهِ العدل، ويجازيهم بأعمالهم التي حَفِظَها وكتبها وشهدها، ولهذا قال: {إنَّ الله على كلِّ شيءٍ شهيدٌ}.
# {19 ـ 22} ثم فَصَّلَ هذا الفصل بينهم بقوله: {هذان خصمان اختصموا في ربِّهم}: كلٌّ يدعي أنه المحقُّ. {فالذين كفروا}: يشمل كلَّ كافر من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والمشركين، {قُطِّعَتْ لهم ثيابٌ من نارٍ}؛ أي: يُجعل لهم ثيابٌ من قَطِران، وتُشعل فيها النار؛ ليعمَّهم العذابُ من جميع جوانبهم، {يصبُّ من فوق رؤوسهم الحميمُ}: الماء الحارُّ جدًّا، {يُصْهَرُ به ما في بطونهم}: من اللحم والشحم والأمعاء من شدَّة حرِّه وعظيم أمره. {ولهم مقامعُ من حديدٍ}: بيد الملائكة الغلاظ الشداد تضرِبُهم فيها وتقمعُهم. كلَّما أرادوا أن يَخْرُجوا منها أُعيدوا فيها؛ فلا يُفَتَّرُ عنهم العذاب ولا هُمْ يُنْظَرون، ويقالُ لهم توبيخاً: {ذوقوا عذابَ الحريق}؛ أي: المحرق للقلوب والأبدان.
# {23} {إنَّ الله يدخِلُ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ جناتٍ تجري من تحتِها الأنهارُ}: ومعلومٌ أنَّ هذا الوصف لا يَصْدُقُ على غير المسلمين، الذين آمنوا بجميع الكتب وجميع الرسل، {يُحَلَّوْنَ فيها من أساورَ من ذهب}؛ أي: يسوَّرون في أيديهم، رجالُهم ونساؤهم أساور الذهب، {ولباسُهم فيها حريرٌ}: فتمَّ نعيمُهم بذلك: أنواع المأكولات اللذيذات، المشتمل عليها لفظ الجنات، وذكر الأنهار السَّارحات، أنهار الماء واللبن والعسل والخمر، وأنواع اللباس والحلي الفاخر.
# {24} وذلك بسبب أنَّهم {هُدوا إلى الطيِّبِ من القول}: الذي أفضلُه وأطيبُه كلمةُ الإخلاص، ثم سائر الأقوال الطيِّبة التي فيها ذكر الله أو إحسانٌ إلى عباد الله. {وهُدوا إلى صراط الحميد}؛ أي: الصراط المحمود، وذلك لأنَّ جميع الشرع كله محتوٍ على الحكمة والحمد وحسن المأمور به وقُبح المنهيِّ [عنه]، وهو الدينُ الذي لا إفراط فيه ولا تفريطَ، المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح. أو: وهُدوا إلى صراطِ الله الحميد؛ لأنَّ الله كثيراً ما يُضيف الصراط إليه؛ لأنَّه يوصِلُ صاحبه إلى الله. وفي ذكر الحميد هنا ليبيِّن أنهم نالوا الهداية بحمد ربِّهم ومنَّته عليهم، ولهذا يقولون في الجنة: {الحمدُ لله الذي هَدانا لهذا وما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أنْ هَدانا الله}.
# {18} واعترض تعالى بين هذه الآيات بذكر سجودِ المخلوقات له؛ جميع من في السماوات والأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدوابِّ الذي يشمل الحيوانات كلَّها. وكثير من الناس، وهم المؤمنون: {وكثيرٌ حقَّ عليه العذاب}؛ أي: وَجَبَ وكُتِبَ لكفره وعدم إيمانه، فلم يوفِّقْه الله للإيمان؛ لأنَّ الله أهانه. {وَمَن يُهِنِ الله فما له من مكرم}: ولا رادَّ لما أراد، ولا معارِضَ لمشيئتِهِ؛ فإذا كانت المخلوقات كلُّها ساجدةً لربِّها، خاضعةً لعظمتِهِ، مستكينةً لعزَّته، عانيةً لسلطانه؛ دلَّ أنه وحده الربُّ المعبودُ الملكُ المحمودُ، وأنَّ من عدل عنه إلى عبادة سواه؛ فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً، وخسر خسراناً مُبيناً.
آية: 25 #
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)}.
# {25} يخبر تعالى عن شناعةِ ما عليه المشركون الكافرون بربِّهم، وأنَّهم جَمَعوا بين الكفر بالله ورسلِهِ، وبين الصدِّ عن سبيل الله، ومَنْع الناس من الإيمان، والصدِّ أيضاً عن المسجد الحرام الذي ليس ملكاً لهم ولا لآبائهم، بل الناس فيه سواءٌ المقيمُ فيه والطارئ إليه، بل صدُّوا عنه أفضل الخلق محمداً وأصحابه، والحالُ أنَّ المسجد الحرام من حرمتِهِ واحترامه وعظمتِهِ أنَّ {مَن يُرِدْ فيه بإلحادٍ بظُلْم نُذِقْهُ من عذابٍ أليم}؛ فمجرَّد الإرادة للظُّلم والإلحاد في الحرم موجبٌ للعذاب، وإنْ كان غيرُهُ لا يعاقَب العبدُ إلاَّ بعمل الظُّلم؛ فكيف بمن أتى فيه أعظمَ الظُّلم من الكفر والشرك والصدِّ عن سبيله ومنع من يريدُهُ بزيارةٍ؟! فما ظنُّهم أن يفعلَ الله بهم؟! وفي هذه الآية الكريمة وجوبُ احترام الحرم وشدَّة تعظيمه والتحذير من إرادة المعاصي فيه وفعلها.
آية: 26 - 29 #
{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)}.
# {26} يذكر تعالى عظمة البيت الحرام وجلالته وعظمة بانيه، وهو خليل الرحمن، فقال: {وإذْ بوَّأنا لإبراهيمَ مكانَ البيتِ}؛ أي: هيأناه له وأنزلناه إياه، وجعل قسماً من ذُرِّيَّتِهِ من سكانه، وأمره الله ببنيانِهِ، فبناه على تقوى الله، وأسَّسه على طاعة الله، وبناه هو وابنُه إسماعيل، وأمره أن لا يُشْرِكَ به شيئاً؛ بأن يُخْلِصَ لله أعمالَه ويبنيه على اسم الله. {وَطَهِّرْ بيتيَ}؛ أي: من الشرك والمعاصي ومن الأنجاس والأدناس، وأضافَهُ الرحمن إلى نفسه لشرفه وفضله ولتعظُمَ محبتُه في القلوب، وتنصبَّ إليه الأفئدة من كلِّ جانب، وليكونَ أعظم لتطهيرِه وتعظيمِهِ؛ لكونه بيتَ الربِّ للطائفين به والعاكفين عنده، المقيمين لعبادةٍ من العبادات من ذكرٍ وقراءةٍ وتعلُّم علم وتعليمِهِ وغير ذلك من أنواع القرب، {والرُّكَّع السُّجود}؛ أي: المصلين؛ أي: طهره لهؤلاء الفضلاء الذين همُّهم طاعة مولاهم وخدمتُه والتقرُّب إليه عند بيته؛ فهؤلاء لهم الحقُّ ولهم الإكرام، ومن إكرامهم تطهيرُ البيت لأجلهم. ويدخل في تطهيرِه تطهيرُهُ من الأصوات اللاغية والمرتفعة التي تشوِّشُ على المتعبِّدين بالصلاة والطواف. وقدَّم الطواف على الاعتكاف والصلاة لاختصاصه بهذا البيت، ثم الاعتكاف لاختصاصِهِ بجنس المساجد.
# {27} {وأذِّنْ في الناس بالحجِّ}؛ أي: أعلِمْهم به، وادْعُهم إليه، وبلِّغْ دانِيَهم وقاصِيَهم فرضَه وفضيلتَه؛ فإنَّك إذا دعوتَهم؛ أتوْك حُجاجاً وعماراً. {رجالاً}؛ أي: مشاة على أرجلهم من الشوق، {وعلى كلِّ ضامرٍ}؛ أي: ناقة ضامرٍ تقطع المهامةَ والمفاوِزَ، وتواصِل السير حتى تأتي إلى أشرف الأماكن، {من كلِّ فجٍّ عميقٍ}؛ أي: من كلِّ بلدٍ بعيدٍ. وقد فعل الخليلُ عليه السلام ثم مِنْ بعدِهِ ابنُه محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، فدعيا الناس إلى حجِّ هذا البيت، وأبْدَيا في ذلك وأعادا، وقد حَصَلَ ما وَعَدَ اللَّه به؛ أتاه الناس رجالاً وركباناً من مشارق الأرض ومغاربها.
# {28} ثم ذكر فوائد زيارة بيت الله الحرام مرغباً فيه، فقال: {لِيَشْهَدوا منافعَ لهم}؛ أي: لينالوا ببيت الله منافع دينيَّة من العبادات الفاضلة، والعبادات التي لا تكون إلاَّ فيه، ومنافع دنيويَّة، من التكسُّب وحصول الأرباح الدنيويَّة، وكلُّ هذا أمرٌ مشاهدٌ، كلٌّ يعرفه. {ويذكُروا اسم الله على ما رَزَقَهم من بهيمةِ الأنعام}: وهذا من المنافع الدينيَّة والدنيويَّة؛ أي: ليذكروا اسم الله عند ذبح الهدايا شكراً لله على ما رَزَقَهم منها ويسَّرها لهم؛ فإذا ذبحتموها؛ {فكلوا منها وأطعموا البائسَ الفقير}؛ أي: شديد الفقر.
# {29} {ثم لْيَقْضوا تَفَثَهُم}؛ أي: يقضوا نُسُكَهم ويزيلوا الوسخ والأذى الذي لَحِقَهم في حال الإحرام، {وَلْيوفوا نُذورَهم}: التي أوجبوها على أنفسهم من الحجِّ والعمرة والهدايا، {ولْيَطَّوَّفوا بالبيتِ العتيق}؛ أي: القديم، أفضل المساجد على الإطلاق، المعَتق من تسلُّط الجبابرة عليه. وهذا أمرٌ بالطواف، خصوصاً بعد الأمر بالمناسك عموماً؛ لفضلِهِ وشرفِهِ، ولكونِهِ المقصودَ، وما قبلَه وسائلُ إليه. ولعلَّه والله أعلم أيضاً لفائدة أخرى، وهو أنَّ الطواف مشروعٌ كلَّ وقتٍ، وسواء كان تابعاً لِنُسُكٍ أم مستقلاًّ بنفسه.
آية: 30 - 31 #
{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)}.
# {30} {ذلك}؛ أي: ذكرنا لكم من تلكُم الأحكام وما فيها من تعظيم حُرُمات الله وإجلالها وتكريمها؛ لأنَّ تعظيم حرماتِ الله من الأمورِ المحبوبة لله المقرِّبة إليه التي من عَظَّمَها وأجَلَّها أثابه الله ثواباً جزيلاً، وكانت خيراً له في دينِهِ ودُنياه وأخراه عند ربِّه. وحرماتُ الله كلُّ ما له حرمةٌ وأمَرَ باحترامِهِ من عبادةٍ أو غيرها؛ كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها؛ فتعظيمُها إجلالاً بالقلب ومحبَّتها وتكميلُ العبوديَّة فيها غير متهاونٍ ولا متكاسل ولا متثاقل. ثم ذَكَرَ منَّته وإحسانَه بما أحلّه لعبادِهِ من بهيمة الأنعام من إبل وبقرٍ وغنم، وشرعها من جملة المناسك التي يُتَقَرَّبُ بها إليه، فعظمت منَّته فيها من الوجهين. {إلاَّ ما يُتلى عليكم} في القرآن تحريمُه من قوله: {حُرِّمَتْ عليكُم الميتةُ والدَّم ولحم الخنزير ... } الآية. ولكن الذي من رحمته بعباده أنْ حرَّمه عليهم ومَنَعَهم منه تزكيةً لهم وتطهيراً من الشرك به وقول الزور ، ولهذا قال: {فاجتنبوا الرجسَ}؛ أي: الخبث القذر {من الأوثانِ}؛ أي: الأنداد التي جعلتموها آلهةً مع الله؛ فإنَّها أكبرُ أنواع الرجس. والظاهر أنَّ {مِن} هنا ليست لبيان الجنس كما قاله كثيرٌ من المفسرين، وإنَّما هي للتبعيض، وأنَّ الرجس عامٌّ في جميع المنهيَّات المحرَّمات، فيكون منهيًّا عنها عموماً، وعن الأوثان التي هي بعضُها خصوصاً، {واجْتَنِبوا قولَ الزُّور}؛ أي: جميع الأقوال المحرمات؛ فإنَّها من قول الزُّور، [الذي هو الكذب ومن ذلك شهادة الزور، فلما نهاهم عن الشرك والرجس وقول الزور].
# {31} أمرهم أن يكونوا {حُنَفاء لله}؛ أي: مقبلين عليه وعلى عبادته، معرِضين عما سواه. {غير مشركين بِهِ ومَن يشرِكْ بالله}: فمثله {فكأنَّما خَرَّ من السماء}؛ أي: سقط منها، {فَتَخْطَفُه الطيرُ}: بسرعة، {أو تَهْوي به الريحُ في مكانٍ سحيقٍ}؛ أي: بعيد. كذلك المشركون ؛ فالإيمان بمنزلة السماء محفوظة مرفوعة، ومن تَرَكَ الإيمان بمنزلة الساقط من السماء عرضة للآفات والبليَّات؛ فإما أن تَخْطَفَهُ الطيرُ فتقطِّعَه أعضاءً، كذلك المشرك إذا ترك الاعتصام بالإيمان؛ تخطفتْه الشياطينُ من كلِّ جانب، ومزَّقوه، وأذهبوا عليه دينَه ودُنياه.
آية: 32 - 33 #
{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)}.
# {32} أي: ذلك الذي ذكرنا لكم من تعظيم حُرُماتِهِ وشعائِرِه، والمرادُ بالشعائرِ أعلامُ الدين الظاهرة: ومنها: المناسك كلُّها؛ كما قال تعالى: {إنَّ الصَّفا والمروة من شعائر الله}. ومنها: الهدايا والقُربان للبيتِ، وتقدَّم أنَّ معنى تعظيمها إجلالها والقيام بها وتكميلها على أكمل ما يقدِرُ عليه العبد. ومنها: الهدايا؛ فتعظيمُها باستحسانها واستسمانها، وأن تكون مكمَّلةً من كلِّ وجهٍ. فتعظيمُ شعائِر الله صادرٌ من تَقْوى القلوب؛ فالمعظِّم لها يبرهِنُ على تقواه وصحَّة إيمانِهِ؛ لأنَّ تعظيمها تابعٌ لتعظيم الله وإجلاله.
# {33} {لكم فيها}؛ أي: في الهدايا، {منافعُ إلى أجل مسمًّى}: هذا في الهدايا المسوقة من البُدْن ونحوها؛ ينتفعُ بها أربابُها بالرُّكوب والحَلْبِ ونحو ذلك مما لا يضرُّها إلى أجل مسمًّى مقدَّر موقتٍ، وهو ذبحهُا إذا وصلت مَحِلَّها، وهو {البيت العتيق}؛ أي: الحرم كلُّه، منىً وغيرها؛ فإذا ذُبِحَتْ؛ أكلوا منها وأهْدَوْا وأطعَموا البائس الفقير.
آية: 34 - 35 #
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35)}.
# {34} أي: {ولكلِّ أمةٍ}: من الأمم السالفة {جَعَلْنا منْسَكاً}؛ أي: فاستبقوا إلى الخيرات وتسارعوا إليها، ولننظر أيُّكم أحسن عملاً. والحكمة في جعل الله لكلِّ أمَّةٍ مَنْسَكاً؛ لإقامة ذكره والالتفات لشكره، ولهذا قال: {لِيَذْكُروا اسم الله على ما رَزَقَهم من بهيمةِ الأنعام فإلهكُم إلهٌ واحدٌ}: وإن اختلفتْ أجناسُ الشرائع؛ فكلُّها متفقةٌ على هذا الأصل، وهو ألوهيَّة الله وإفرادُهُ بالعبوديَّة وترك الشرك به، ولهذا قال: {فله أسْلِموا}؛ أي: انقادوا واستسلموا له لا لغيرِهِ؛ فإنَّ الإسلامَ له طريق إلى الوصول إلى دار السلام. {وبشَّرِ المخبِتينَ}: بخير الدُّنيا والآخرة، والمخبِتُ، الخاضع لربِّه، المستسلم لأمره، المتواضع لعباده.
# {35} ثم ذكر صفاتِ المخبتين، فقال: {الذين إذا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قلوبُهم}؛ أي: خوفاً وتعظيماً، فتركوا لذلك المحرَّمات لخوفهم ووجلهم من الله وحده. {والصابرين على ما أصابَهم}: من البأساء والضرَّاء وأنواع الأذى؛ فلا يجري منهم التسخُّطِ لشيءٍ من ذلك، بل صبروا ابتغاء وجه ربِّهم؛ محتسبينَ ثوابه، مرتقبين أجرَه. {والمقيمي الصلاةِ}؛ أي: الذين جَعَلوها قائمةً مستقيمةً كاملةً؛ بأن أدَّوا اللازمَ فيها والمستحبَّ وعبوديَّتها الظاهرة والباطنة. {ومما رَزَقْناهم يُنفِقونَ}: وهذا يشملُ جميع النفقات الواجبة؛ كالزَّكاة والكفَّارة والنفقة على الزوجات والمماليك والأقارب، والنفقات المستحبَّة؛ كالصدقات بجميع وجوهها. وأتى بـ {من} المفيدة للتبعيض لِيُعْلَمَ سهولةُ ما أمر الله به ورغَّب فيه، وأنَّه جزءٌ يسيرٌ مما رَزَقَ الله، ليس للعبدِ في تحصيلِهِ قدرةٌ لولا تيسيرُ الله له ورزقُه إيَّاه؛ فيا أيُّها المرزوق من فضل الله! أنفِقْ مما رَزَقَكَ الله؛ ينفِق اللهُ عليك ويزِدْك من فضله.
آية: 36 - 37 #
{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)}.
# {36} هذا دليل على أن الشعائر عامٌّ في جميع أعلام الدين الظاهرة، وتقدَّم أنَّ الله أخبر أنَّ مَنْ عَظَّمَ شعائِرَه؛ فإنَّ ذلك من تقوى القلوب، وهنا أخبر أن من جُملة شعائرِهِ البُدْنَ؛ أي: الإبل والبقر على أحد القولين، فَتُعَظَّمُ وتستسمن وتُستحسن. {لكم فيها خيرٌ}؛ أي: المهدي وغيره من الأكل والصدقة والانتفاع والثواب والأجر. {فاذكُروا اسم الله عليها}؛ أي: عند ذبحها، قولوا: بسم الله، واذْبَحوها {صَوَافَّ}؛ أي: قائماتٍ؛ بأنْ تُقام على قوائمها الأربع، ثم تُعْقَلُ يدُها اليُسرى، ثم تُنْحَر. {فإذا وَجَبَتْ جُنوبها}؛ أي: سقطت في الأرض جُنوبها حين تُسلخ ثم يسقِطُ الجزارُ جنوبَها على الأرض؛ فحينئذٍ قد استعدَّتْ لأن يُؤْكَلَ منها؛ {فكلوا منها}: وهذا خطابٌ للمهدي، فيجوز له الأكل من هديِهِ، {وأطعِموا القانعَ والمعتَرَّ}؛ أي: الفقير الذي لا يسأل تقنُّعاً وتعففاً، والفقير الذي يسألُ؛ فكلٌّ منهما له حقٌّ فيهما. {كذلك سخَّرْناها لكم}؛ أي: البدن، {لعلَّكم تشكرونَ}: الله على تسخيرها؛ فإنَّه لولا تسخيرُه لها؛ لم يكنْ لكم بها طاقةٌ، ولكنَّه ذلَّلها لكم وسخَّرها رحمةً بكم وإحساناً إليكم؛ فاحْمَدوه.
# {37} وقوله: {لن ينالَ اللهَ لحومُها ولا دِماؤها}؛ أي: ليس المقصود منها ذبحها فقط، ولا ينالُ اللهَ من لحومها ولا دمائها شيءٌ؛ لكونه الغنيَّ الحميد، وإنَّما ينالُه الإخلاصُ فيها والاحتسابُ والنيَّة الصالحةُ، ولهذا قال: {ولكن ينالُهُ التَّقوى منكم}: ففي هذا حثٌّ وترغيبٌ على الإخلاص في النحر، وأن يكونَ القصدُ وجهَ الله وحدَه؛ لا فخراً ولا رياءً ولا سمعةً ولا مجرَّد عادةٍ، وهكذا سائر العبادات إن لم يقترِنْ بها الإخلاص وتقوى الله؛ كانتْ كالقُشورِ الذي لا لبَّ فيه والجسدِ الذي لا روح فيه. {كذلك سخَّرها لكُم لتكبِّروا الله}؛ أي: تعظِّموه وتُجِلُّوه، كما {هداكم}؛ أي: مقابلةً لهدايته إيَّاكم؛ فإنَّه يستحقُّ أكمل الثناء وأجلَّ الحمد وأعلى التعظيم. {وبشِّر المحسنينَ}: بعبادة الله؛ بأنْ يعبُدوا الله كأنَّهم يرونَه؛ فإنْ لم يصلوا إلى هذه الدرجة؛ فليعْبُدوه معتقدينَ وقتَ عبادتِهِم اطِّلاعَه عليهم ورؤيته إيَّاهم، والمحسنين لعبادِ الله بجميع وجوه الإحسان؛ من نفع مال أو علم أو جاه أو نُصح أو أمر بمعروفٍ أو نهي عن منكرٍ أو كلمةٍ طيِّبةٍ ونحو ذلك؛ فالمحسِنونَ لهم البشارةُ من الله بسعادة الدُّنيا والآخرة، وسَيُحْسِنُ الله إليهم كما أحْسَنوا في عبادته ولعباده؛ {هل جزاءُ الإحسانِ إلاَّ الإحسانُ}، {للذين أحسنوا الحُسنى وزيادةٌ}.
آية: 38 #
{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)}.
# {38} هذا إخبارٌ ووعدٌ وبشارةٌ من الله للذين آمنوا أنَّ الله يدافِعُ عنهم كلَّ مكروه، ويدفعُ عنهم كلَّ شرٍّ بسبب إيمانِهِم: من شرِّ الكفار وشرِّ وسوسة الشيطان وشرور أنفسهم وسيئاتِ أعمالهم، ويحملُ عنهم عند نزول المكاره ما لا يتحمَّلون، فيخفِّف عنهم غاية التخفيف، كلّ مؤمن له من هذه المدافعة والفضيلة بحسب إيمانه، فمستقلٌّ ومستكثرٌ. {إن الله لا يحبُّ كلَّ خوَّانٍ}؛ أي: خائن في أمانته التي حَمَّله الله إيَّاها، فيبخسُ حقوق الله عليه ويخونُها ويخونُ الخلق. {كفورٍ}: لنعم الله، يوالي عليه الإحسان، ويتوالى منه الكفر والعصيان؛ فهذا لا يحبُّه الله، بل يُبْغِضُه ويمقُتُه وسيجازيه على كفرِهِ وخيانتِهِ. ومفهوم الآية أنَّ اللَّه يحبُّ كلَّ أمينٍ قائمٍ بأمانته شكورٍ لمولاه.
آية: 39 - 41 #
{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)}.
# {39} كان المسلمون في أول الإسلام ممنوعين من قتال الكفار ومأمورين بالصبر عليهم لحكمةٍ إلهيَّةٍ، فلما هاجروا إلى المدينة، وأوذوا وحصل لهم مَنَعَةٌ وقوَّةٌ؛ أُذن لهم بالقتال؛ كما قال تعالى: {أُذِنَ للذين يقاتَلونَ}: يُفهم منه أنهم كانوا قبلُ ممنوعين، فأذِنَ الله لهم بقتال الذين يقاتلون، وإنَّما أذن لهم لأنَّهم ظُلموا بمنعهم من دينهم وأذيَّتهم عليه وإخراجهم من ديارهم. {وإنَّ الله على نصرِهم لَقديرٌ}: فلْيَسْتَنْصروه ولْيستعينوا به.
# {40} ثم ذكر صفة ظلمهم، فقال: {الذين أُخْرِجوا من ديارِهم}؛ أي: ألجئوا إلى الخروج بالأذيَّة والفتنة، {بغير حقٍّ إلاَّ}: أن ذنبهم الذي نقم منهم أعداؤهم، {أن يَقولوا ربُّنا الله}؛ أي: إلاَّ أنَّهم وحَّدوا الله وعبدوه مخلصينَ له الدِّين؛ فإنْ كان هذا ذنباً؛ فهو ذنبهم؛ كقوله تعالى: {وما نَقَموا منهم إلاَّ أن يُؤْمِنوا بالله العزيز الحميد}: وهذا يدلُّ على حكمة الجهاد؛ فإنَّ المقصود منه إقامةُ دين الله، أو ذبُّ الكفار المؤذين للمؤمنين البادئين لهم بالاعتداء عن ظلمهم واعتدائهم، والتمكُّن من عبادةِ الله وإقامة الشرائع الظاهرة، ولهذا قال: {ولولا دَفْعُ الله الناسَ بعضَهم ببعض}: فيدفعُ الله بالمجاهدين في سبيله ضررَ الكافرين؛ {لَهُدِّمَتْ صوامعُ وبِيَعٌ وصلواتٌ ومساجدُ}؛ أي: لَهُدِّمَتْ هذه المعابد الكبار لطوائف أهل الكتاب معابد اليهود والنصارى والمساجد للمسلمين. {يُذْكَرُ فيها}؛ أي: في هذه المعابد {اسمُ الله كثيراً}: تُقام فيها الصلواتُ، وتُتْلى فيها كتب الله، ويُذكر فيها اسمُ الله بأنواع الذِّكْر؛ فلولا دفعُ الله الناس بعضَهم ببعض؛ لاستولى الكفارُ على المسلمين، فخرَّبوا معابدهم وفَتَنوهم عن دينهم، فدلَّ هذا أنَّ الجهاد مشروعٌ لأجل دفع الصائل والمؤذي، ومقصودٌ لغيره. ودلَّ ذلك على أنَّ البلدان التي حصلت فيها الطمأنينة بعبادة الله، وعُمِّرَتْ مساجدها، وأقيمت فيها شعائرُ الدين كلُّها من فضائل المجاهدين وبركتهم، دفع الله عنها الكافرين؛ قال الله تعالى: {ولولا دَفْعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعض لَفَسَدَتِ الأرضُ ولكنَّ الله ذو فضل على العالمينَ}. فإنْ قلتَ: نرى الآن مساجد المسلمينَ عامرةً لم تَخْرَبْ؛ مع أنَّها كثيرٌ منها إمارة صغيرة وحكومة غير منظَّمة، مع أنَّهم لا يدان لهم بقتال مَنْ جاوَرَهم من الإفرنج، بل نرى المساجد التي تحتَ ولايتهم وسيطرتهم عامرةً، وأهلُها آمنون مطمئنُّون؛ مع قدرةِ ولاتِهِم من الكفَّار على هدمها، واللهُ أخبر أنه لولا دَفْعُ الله الناسَ بعضَهم ببعضٍ؛ لَهُدِّمَتْ هذه المعابد، ونحن لا نشاهد دفعا؟ أجيب بأنَّ جواب هذا السؤال والاستشكال داخلٌ في عموم هذه الآية وفردٌ من أفرادها؛ فإنَّ مَنْ عَرَفَ أحوال الدول الآن ونظامها، وأنها تعتبرُ كلَّ أمَّةٍ وجنس تحتَ ولايتها وداخل في حكمها؛ تعتبرُهُ عضواً من أعضاء المملكة وجزءاً من أجزاء الحكومة، سواء كانت تلك الأمةُ مقتدرةً بعددها أو عُددها أو مالها أو علمها أو خدمتها، فتراعي الحكوماتُ مصالح ذلك الشعب الدينيَّة والدنيويَّة، وتخشى إنْ لم تفعلْ ذلك أن يختلَّ نظامُها وتفقدَ بعضَ أركانها، فيقوم من أمر الدين بهذا السبب ما يقوم، خصوصاً المساجد؛ فإنَّها ولله الحمد في غاية الانتظام، حتى في عواصم الدول الكبار، وتراعي تلك الدول الحكومات المستقلة؛ نظراً لخواطر رعاياهم المسلمين، مع وجود التحاسدِ والتباغُض بين دول النصارى، الذي أخبر الله أنه لا يزال إلى يوم القيامةِ، فتبقى الحكومة المسلمة التي لا تقدِرُ تدافعُ عن نفسها سالمةً من كثيرِ ضررهم ؛ لقيام الحسدِ عندهم؛ فلا يقدِرُ أحدُهم أن يمدَّ يدَه عليها، خوفاً من احتمائِها بالآخرِ، مع أنَّ الله تعالى لا بدَّ أن يُري عبادَه من نصر الإسلام والمسلمين ما قد وَعَدَ به في كتابه، وقد ظهرتْ ولله الحمدُ أسبابُه بشعور المسلمين بضرورة رجوعِهِم إلى ديِنِهم، والشعورُ مبدأ العمل؛ فنحمَدُه ونسأله أن يُتِمَّ نعمتَه، ولهذا قال في وعدِهِ الصادق المطابق للواقع: {وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ من يَنصُرُه}؛ أي: يقوم بنصر دينِهِ، مخلصاً له في ذلك، يقاتِلُ في سبيله لتكونَ كلمةُ الله هي العليا. {إنَّ الله لقويٌّ عزيزٌ}؛ أي: كامل القوة، عزيزٌ، لا يُرام، قد قهر الخلائق وأخذ بنواصيهم. فأبشروا يا معشر المسلمين؛ فإنَّكم وإنْ ضَعُفَ عددُكم وعُددُكم وقوي عددُ عدوِّكم ؛ فإنَّ ركنَكم القويَّ العزيز ومعتمدكم على مَنْ خَلَقَكُم وخَلَقَ ما تعملون؛ فاعملوا بالأسباب المأمور بها، ثم اطلبوا منه نصرَكم؛ فلا بدَّ أن ينصركم، {يا أيَّها الذين آمنوا إن تَنصُروا الله يَنصُرْكُم ويثبِّتْ أقدامكَم}، وقوموا أيُّها المسلمون بحقِّ الإيمان والعمل الصالح؛ فقد {وَعَدَ الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم في الأرض كما اسْتَخْلَفَ الذين من قَبْلِهِم ولَيُمَكِّنَنَّ لهم دينَهم الذي ارتضى لهم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم من بعدِ خوفهم أمناً يعبُدونني لا يشرِكونَ بي شيئاً}.
# {41} ثم ذكر علامة مَنْ ينصره، وبها يُعرف أنَّ مَن ادَّعى أنه يَنْصُرُ الله ويَنْصُرُ دينَه ولم يتَّصِف بهذا الوصف؛ فهو كاذب، فقال: {الذين إن مَكَّنَّاهُم في الأرض}؛ أي: مَلَّكْناهم إياها، وجعلناهم المتسلِّطين عليها من غير منازعٍ ينازِعُهم ولا معارِض؛ {أقاموا الصلاةَ}: في أوقاتها وحدودها وأركانها وشروطها في الجمعة والجماعات. {وآتوُا الزَّكاة}: التي عليهم خصوصاً، وعلى رعيَّتهم عموماً، آتَوْها أهلها الذين هم أهلها. {وأمروا بالمعروف}: وهذا يشمَلُ كلِّ معروفٍ حُسْنُهُ شرعاً وعقلاً من حقوق الله وحقوق الآدميين. {ونَهَوا عن المنكر}: كلّ منكرٍ شرعاً وعقلاً، معروف قبحُه، والأمر بالشيء والنهي عنه يدخُلُ فيه ما لا يتمُّ إلاَّ به؛ فإذا كان المعروف والمنكر يتوقَّف على تعلُّم وتعليم أجبروا الناس على التعلُّم والتعليم، وإذا كان يتوقَّف على تأديبٍ مقدَّر شرعاً أو غير مقدَّر؛ كأنواع التعزير؛ قاموا بذلك، وإذا كان يتوقَّف على جعل أناس متصدِّين له؛ لزم ذلك، ونحو ذلك مما لا يتمُّ الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر إلاَّ به. {ولله عاقبةُ الأمور}؛ أي: جميع الأمور ترجِعُ إلى الله، وقد أخبر أنَّ العاقبة للتقوى؛ فمن سلَّطه الله على العباد من الملوك وقام بأمر الله؛ كانتْ له العاقبةُ الحميدةُ والحالةُ الرشيدةُ، ومن تسلَّط عليهم بالجَبَروت، وأقام فيهم هوى نفسه؛ فإنَّه وإن حصل له ملكٌ موقتٌ؛ فإنَّ عاقبتَه غيرُ حميدةٍ؛ فولايتُه مشؤومة، وعاقبته مذمومة.
آية: 42 - 46 #
{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)}.
# {42 ـ 44} يقول تعالى لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: وإنْ يكذِّبْك هؤلاء المشركون؛ فلستَ بأوَّل رسول كُذِّب، وليسوا بأول أمةٍ كَذَّبَت رسولها؛ {فقد كَذَّبَتْ قبلَهم قومُ نوح وعادٌ وثمودُ. وقومُ إبراهيم (وقومُ لوط). وأصحابُ مَدْيَنَ}؛ أي: قوم شعيب. {وكُذِّبَ موسى فأمليتُ للكافرين}: المكذِّبين، فلم أعاجِلْهم بالعقوبة، بل أمهلتُهم حتى استمرُّوا في طغيانهم يعمهونَ وفي كفرِهِم وشرِّهم يزدادون، {ثمَّ أخَذْتُهم}: بالعذاب أخذَ عزيز مقتدرٍ. {فكيف كان نَكيرِ}؛ أي: إنكاري عليهم كفرهم وتكذيبهم كيف حالُه؟! كان أشدَّ العقوبات وأفظعَ المَثُلات؛ فمنهم من أغرقَه، ومنهم من أخذَتْه الصيحةُ، ومنهم من أُهْلِكَ بالريح العقيم، ومنهم من خُسِفَ به الأرض، ومنهم من أُرْسِلَ عليه عذابُ يوم الظُّلَّة؛ فليعتبِرْ بهم هؤلاء المكذِّبون أن يصيبَهم ما أصابهم؛ فإنَّهم ليسوا خيراً منهم، ولا كُتِبَ لهم براءةٌ في الكتب المنزَّلة من الله. وكم من المعذَّبين المهلكين أمثال هؤلاء كثير!
# {45} ولهذا قال: {فكأيِّن من قريةٍ}؛ أي: وكم من قريةٍ، {أهلَكْناها}: بالعذابِ الشديدِ والخزي الدنيويِّ، {وهي ظالمةٌ}: بكفرِها بالله وتكذيبها لرسلِهِ، لم يكنْ عقوبتُنا لها ظلماً منا. {فهي خاويةٌ على عروشها}؛ أي فديارُهم متهدِّمة قصورُها وجدرانُها، قد سقطتْ على عروشها ، فأصبحت خراباً بعد أن كانتْ عامرةً، وموحشةً بعد أن كانت آهلةً بأهلها آنسة. {وبئرٍ معطَّلةٍ وقصرٍ مَشيدٍ}؛ أي: وكم من بئر قد كان يزدحمُ عليه الخلقُ لشُرْبهم وشرب مواشيهم، ففُقِدَ أهلُه وعُدِمَ منه الوارد والصادر! وكم من قصرٍ تعبَ عليه أهلُه فشيَّدوه ورفعوه وحصَّنوه وزخرفوه؛ فحين جاءهم أمرُ الله؛ لم يُغْنِ عنهم شيئاً، وأصبح خالياً من أهله، قد صاروا عبرةً لمن اعتبر ومثالاً لمن فكَّر ونظر.
# {46} ولهذا دعا الله عبادَه إلى السير في الأرض لينظُروا ويعتبِروا، فقال: {أفلم يَسيروا في الأرض}: بأبدانهم وقلوبهم؛ {فتكون لهم قلوبٌ يعقِلونَ بها}: آياتِ الله ويتأمَّلون بها مواقعَ عِبَرِهِ، {أو آذانٌ يسمعونَ بها}: أخبارَ الأمم الماضين وأنباء القرون المعذَّبين، وإلاَّ فمجرَّد نظر العين وسماع الأذُن وسير البدن الخالي من التفكُّر والاعتبار غير مفيدٍ ولا موصل إلى المطلوب، ولهذا قال: {فإنَّها لا تَعْمى الأبصارُ ولكن تَعْمى القلوبُ التي في الصُّدور}؛ أي: هذا العمى الضارُّ في الدين عمى القلب عن الحقِّ حتى لا يشاهدَه كما لا يشاهِدُ الأعمى المرئيَّات، وأما عمى البصر؛ فغايتُه بلغةٌ ومنفعةٌ دنيويَّةٌ.
آية: 47 - 48 #
{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48)}.
# {47} أي: يتعجَّلُك هؤلاء المكذِّبون بالعذاب لجهلهم وظلمهم وعنادهم وتعجيزاً لله وتكذيباً لرسله، ولن يُخْلِفَ الله وعده؛ فما وَعَدَهُم به من العذاب لا بدَّ من وقوعه، ولا يمنعُهم منه مانعٌ، وأمَّا عَجَلَتُهُ والمبادرةُ فيه؛ فليس ذلك إليك يا محمدُ، ولا يستفزنَّك عجلتُهم وتعجيزُهم إيَّانا؛ فإنَّ أمامهم يوم القيامة الذي يُجمع فيه أولهم وآخرهم، ويجازَوْن بأعمالهم، ويقع بهم العذابُ الدائم الأليم، ولهذا قال: {وإنَّ يوماً عند ربِّكَ كألفِ سنةٍ مما تَعُدُّونَ}: من طوله وشدَّته وهولِهِ؛ فسواء أصابهم عذابٌ في الدنيا أم تأخَّر عنهم العذاب؛ فإنَّ هذا اليوم لا بدَّ أن يدرِكهم. ويُحتمل أنَّ المراد أنَّ الله حليمٌ، ولو استعجلوا العذاب؛ فإنَّ يوماً عنده كألف سنة مما تعدُّون؛ فالمدَّة وإنْ تطاوَلْتُموها، واستبطأتم فيها نزول العذاب؛ فإنَّ الله يمهل المدد الطويلةَ، ولا يُهمل، حتى إذا أخذ الظالمين بعذابه؛ لم يُفْلِتْهم.
# {48} {وكأيِّنْ من قريةٍ أمليتُ لها}؛ أي: أمهلتها مدة طويلة، {وهي ظالمةٌ}؛ أي: مع ظلمهم، فلم يكنْ مبادرتُهم بالظُّلم موجباً لمبادرتِنا بالعقوبة، {ثم أخذتُها} بالعذابِ {وإليَّ المصيرُ}؛ أي: مع عذابها في الدنيا سترجِعُ إلى الله فيعذِّبُها بذنوبها؛ فليحذر هؤلاء الظالمون من حلول عقاب اللَّه، ولا يغترُّوا بالإمهال.
آية: 49 - 51 #
{قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51)}.
# {49} يأمر تعالى عبده ورسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - أن يخاطِبَ الناس جميعاً بأنَّه رسولُ اللَّه حقًّا؛ مبشراً للمؤمنين بثواب اللَّه، منذراً للكافرين والظالمين من عقابِهِ. وقولُهُ: {مبينٌ} أي؛ بيِّنُ الإنذار، وهو التخويف مع الإعلام بالمَخُوف، وذلك لأنَّه أقام البراهين الساطعة على صدق ما أنذرهم به.
# {50} ثم ذَكَرَ تفصيل النِّذارة والبِشارة، فقال: {فالذين آمنوا}: بقلوبهم إيماناً صحيحاً صادقاً، {وعملوا الصالحات}: بجوارِحِهم [{في جنَّاتِ النعيم}؛ أي: الجنات التي يُتَنَعَّمُ بها بأنواع النعيم من المآكل والمشارب والمناكح والصُّوَر والأصوات والتنعُّم برؤية الربِّ الكريم وسماع كلامه.
# {51} {والذين كفروا}؛ أي: جَحَدوا نعمةَ ربِّهم، وكذَّبوا رُسُله وآياته]. فأولئك {أصحابُ الجحيم}؛ أي: الملازمون لها، المصاحبون لها في كلِّ أوقاتهم؛ فلا يخفَّف عنهم من عذابِها، ولا يفتَّرُ عنهم لَحْظةٌ من عقابها.
آية: 52 - 54 #
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)}.
# {52} يخبر تعالى بحكمته البالغة واختيارِهِ لعبادِهِ وأنَّ الله ما أرسل قبل محمدٍ {من رسول ولا نبيٍّ إلاَّ إذا تمنَّى}؛ أي: قرأ قراءته التي يذكِّر بها الناسَ ويأمرُهم وينهاهم، {ألقَى الشَّيطَانُ في أُمْنِيَّتِهِ}؛ أي: في قراءته من طرقه ومكايده ما هو مناقض لتلك القراءة مع أنَّ الله تعالى قد عَصَمَ الرسل بما يبلِّغون عن الله وحَفِظَ وحيَه أن يشتبِهَ أو يختلطَ بغيرِهِ، ولكنْ هذا إلقاءٌ من الشيطان غير مستقرٍّ ولا مستمرٍّ، وإنَّما هو عارضٌ يعرِضُ ثم يزول، وللعوارض أحكامٌ، ولهذا قال: {فينسخُ الله ما يُلْقي الشيطانُ}؛ أي: يزيله، ويذهبهُ، ويبطلُه، ويبيِّنُ أنه ليس من آياته. و {يُحْكِمُ الله آياتِهِ}؛ أي: يتقنها، ويحرِّرها، ويحفظها، فتبقى خالصةً من مخالطة إلقاء الشيطان. {واللَّه [عزيزٌ] }؛ أي: كامل القوة والاقتدار؛ فبكمال قوَّته يحفظ وحيَه، ويزيل ما تلقيه الشياطين. {حكيمٌ}: يضعُ الأشياء مواضعَها.
# {53} فمن كمال حكمتِهِ مكَّن الشياطين من الإلقاء المذكور؛ ليحصُلَ ما ذكره بقولِهِ {لِيَجْعَلَ ما يلقي الشيطانُ فتنةً}: لطائفتين من الناس لا يبالي الله بهم: [وهم الذين] {في قلوبِهِم مرضٌ}؛ أي: ضَعْفٌ وعدم إيمان تامٍّ وتصديق جازم، فيؤثِّر في قلوبهم أدنى شبهةٍ تطرأ عليها؛ فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان؛ داخَلَهم الريبُ والشكُّ، فصار فتنةً لهم. {والقاسيةِ قلوبُهُم}؛ أي: الغليظة التي لا يؤثر فيها زجرٌ ولا تذكيرٌ، ولا تَفْهَمُ عن الله وعن رسوله لقسوتها؛ فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان؛ جعلوه حجةً لهم على باطلهم، وجادلوا به، وشاقُّوا الله ورسوله، ولهذا قال: {وإنَّ الظالمينَ لفي شقاقٍ بعيدٍ}؛ أي: مشاقَّة لله ومعاندةٍ للحقِّ ومخالفةٍ له بعيد من الصواب. فما يلقيه الشيطانُ يكون فتنةً لهؤلاء الطائفتين، فيظهر به ما في قلوبهم من الخبثِ الكامن فيها.
# {54} وأمَّا الطائفةُ الثالثةُ؛ فإنَّه يكون رحمةً في حقِّها، وهم المذكورون بقوله: {ولِيَعْلَمَ الذين أوتوا العلم أنَّه الحقُّ من ربِّك}: وأن الله مَنَحَهم من العلم ما به يعرفون الحقَّ من الباطل والرُّشْدَ من الغيِّ، فيفرِّقون بين الأمرين الحقِّ المستقرِّ الذي يُحْكِمُهُ الله، والباطل العارض الذي ينسَخُهُ الله، بما على كلٍّ منهما من الشواهد، وليعلموا أنَّ الله حكيمٌ يقيِّضُ بعضَ أنواع الابتلاء ليظهرَ بذلك كمائن النفوس الخيِّرة والشِّريرة؛ {فيؤمنوا به}: بسببِ ذلك، ويزدادُ إيمانُهم عند دفع المعارِضِ والشبهِ؛ {فتخبِتَ له قلوبُهُم}؛ أي: تخشع وتخضع وتسلم لحكمتِهِ، وهذا من هدايته إيَّاهم. {وإنَّ الله لهادي الذين آمنوا}: بسبب إيمانهم {إلى صراطٍ مستقيم}: علم بالحقِّ وعمل بمقتضاه؛ فيثبِّتُ الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدُّنيا وفي الآخرة، وهذا النوع من تثبيت الله لعبده. وهذه الآيات فيها بيانُ أنَّ للرسول - صلى الله عليه وسلم - أسوةٌ بإخوانِهِ المرسلين؛ لما وَقَعَ منه عند قراءتِهِ - صلى الله عليه وسلم - {والنجم}، فلما بَلَغَ: {أفرأيتُمُ اللاتَ والعُزَّى. ومناةَ الثَّالثَةَ الأخرى}؛ ألقى الشيطانُ في قراءته: تلك الغرانيق العلى. وإنَّ شفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى؛ فحصل بذلك للرسول حزنٌ وللناس فتنةٌ؛ كما ذكر الله، فأنزل الله هذه الآيات.
آية: 55 - 57 #
{وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57)}.
# {55} يخبر تعالى عن حالة الكفار، وأنَّهم لا يزالون في شكٍّ مما جئتَهم به يا محمدُ؛ لعنادهم وإعراضهم، وأنَّهم لا يبرحون مستمرِّين على هذه الحال، {حتَّى تأتِيَهُمُ الساعةُ بغتةً}؛ أي: مفاجأةً، {أو يأتِيَهُمْ عذابُ يوم عقيم}؛ أي: لا خير فيه، وهو يوم القيامة؛ فإذا جاءتهم الساعةُ أو أتاهم ذلك اليوم؛ علم الذين كفروا أنَّهم كانوا كاذبين، وندموا حيث لا ينفعُهم الندمُ، وأبْلِسوا، وأَيِسوا من كلِّ خيرٍ، وودُّوا لو آمنوا بالرسول واتَّخذوا معه سبيلاً. ففي هذا تحذيرُهم من إقامتهم على مِرْيَتِهِم وفِرْيَتِهِم.
# {56 ـ 57} {الملكُ يومئذٍ}؛ أي: يوم القيامة {لله}: تعالى لا لغيره، {يحكُمُ بينَهم}: بحكمه العدل وقضائه الفصل. {فالذين آمنوا}: بالله ورسلِهِ وما جاؤوا به، {وعمِلوا الصالحاتِ}: ليصدِّقوا بذلك إيمانَهم {في جنَّاتِ النعيم}: نعيم القلب والروح والبدن مما لا يصفه الواصفون ولا تدركه العقول. {والذِينَ كَفَرُوا}: بالله ورسله، {وكذَّبوا بآياتنا}: الهاديةِ للحقِّ والصواب، فأعرضوا عنها أو عاندوها {فأولئك لهم عذابٌ مُهينٌ}: لهم من شدَّتِهِ وألمِهِ وبلوغِهِ للأفئدة؛ كما استهانوا برسلِهِ وآياتِهِ؛ أهانهم الله بالعذاب.
آية: 58 - 59 #
{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59)}.
# {58} هذه بشارةٌ كبرى لمن هاجر في سبيل الله، فخرج من دارِهِ ووطنِهِ وأولادِهِ ومالِهِ ابتغاءَ وجه الله ونصرةً لدين الله؛ فهذا قد وجب أجرُهُ على الله؛ سواءً مات على فراشِهِ أو قُتِلَ مجاهداً في سبيل الله. {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رزقاً حسناً}: في البرزخ وفي يوم القيامة ؛ بدخول الجنَّة الجامعة للرَّوْح والرَّيْحان والحُسْن والإحسان ونعيم القلب والبدن، ويُحْتَمَلُ أنَّ المراد أنَّ المهاجر في سبيل الله قد تكفَّلَ الله برزقِهِ في الدُّنيا رزقاً واسعاً حسناً، سواء علم الله منه أنه يموتُ على فراشه أو يُقْتَلُ شهيداً؛ فكلُّهم مضمونٌ له الرزق؛ فلا يتَوَهَّم أنه إذا خرج من دياره وأمواله سيفتقرُ ويحتاج؛ فإنَّ رازِقَه هو خير الرازقين. وقد وقع كما أخبر؛ فإنَّ المهاجرين السابقين تركوا ديارهم وأبناءهم وأموالهم نُصْرَةً لدين الله، فلم يَلْبَثوا إلاَّ يسيراً حتى فتحَ الله عليهم البلادَ، ومكَّنهم من العباد، فاجْتَبوا من أموالها ما كانوا به من أغنى الناس.
# {59} ويكون على هذا القول قولُهُ: {لَيُدْخِلَنَّهُم مُدْخلاً يرضَوْنَه}: إمَّا ما يفتحُ الله عليهم من البلدان، خصوصاً فتحَ مكَّة المشرَّفة؛ فإنَّهم دخلوها في حالة الرضا والسرور، وإمَّا المرادُ به رزق الآخرة، وأنَّ ذلك دخولُ الجنَّة، فتكون الآية جمعت بين الرزقين؛ رزق الدُّنيا ورزق الآخرة. واللفظ صالحٌ لذلك كله، والمعنى صحيحٌ؛ فلا مانعَ من إرادةِ الجميع. {وإنَّ الله لعليمٌ}: بالأمورِ؛ ظاهرها وباطنها، متقدِّمها ومتأخِّرها. {حليم}: يعصيه الخلائقُ ويبارِزونه بالعظائم، وهو لا يعاجِلُهم بالعقوبة، مع كمال اقتدارِهِ، بل يواصِلُ لهم رزقَه، ويُسْدي إليهم فضله.
آية: 60 #
{ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60)}.
# {60} ذلك بأنَّ من جُنِيَ عليه وظُلِمَ؛ فإنَّه يجوز له مقابلةُ الجاني بمثل جنايته؛ فإنْ فعل ذلك؛ فليس عليه سبيلٌ، وليس بِمَلوم؛ فإنْ بُغِيَ عليه بعد هذا؛ فإنَّ الله ينصرُه؛ لأنَّه مظلومٌ؛ فلا يجوز أن يُبْغَى عليه بسبب أنَّه استوفى حقَّه، وإذا كان المجازي غيرَه بإساءته إذا ظُلِمَ بعد ذلك؛ نَصَرَه الله؛ فالذي بالأصل لم يعاقب أحداً إذا ظلم وجُنِيَ عليه؛ فالنصر إليه أقرب. {إنَّ الله لعفوٌّ غفورٌ}؛ أي: يعفو عن المذنبين؛ فلا يعاجِلُهم بالعقوبة، ويغفر ذنوبهم، فيزيلها ويزيل آثارها عنهم؛ فالله هذا وصفُه المستقرُّ اللازم الذاتيُّ، ومعاملتُهُ لعباده في جميع الأوقات بالعفو والمغفرة، فينبغي لكم أيها المظلومون المجنيُّ عليهم أن تعفوا وتصفحوا وتغفِروا؛ لِيُعامِلَكُمُ الله كما تعامِلون عبادَه؛ فمن عفا وأصلح؛ فأجْرُهُ على الله.
آية: 61 - 62 #
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)}.
# {61} ذلك الذي شَرَعَ لكم تلك الأحكامَ الحسنة العادلة هو حَسَنُ التصرُّف في تقديره وتدبيره، الذي {يولِجُ الليلَ في النهارِ}؛ أي: يُدْخِلُ هذا على هذا وهذا على هذا، فيأتي بالليل بعد النهار، وبالنهارِ بعد الليل، ويزيدُ في أحدِهما ما يَنْقُصُه من الآخر، ثم بالعكس، فيترتَّب على ذلك قيامُ الفصول ومصالح الليل والنهار والشمس والقمر، التي هي من أجلِّ نعمِهِ على العباد، وهي من الضروريَّات لهم. {وأنَّ الله سميعٌ}: يسمع ضجيجَ الأصوات باختلاف اللغات على تفنُّن الحاجات. {بصيرٌ}: يرى دبيبَ النملة السوداء تحت الصخرة الصمَّاء في الليلة الظَّلماء، سواء منكم مَن أسرَّ القول ومَن جَهَرَ به، ومن هُو مُسْتَخْفٍ بالليل وسارب بالنهار.
# {62} {ذلك}: صاحب الحكم والأحكام، {بأنَّ الله هو الحقُّ}؛ أي: الثابتُ الذي لا يزال ولا يزول، فالأولُ الذي ليس قبله شيء، الآخِرُ الذي ليس بعدَه شيء، كامل الأسماء والصفات، صادقُ الوعد، الذي وعدُهُ حقٌّ ولقاؤه حقٌّ ودينه حقٌّ وعبادته هي الحقُّ النافعة الباقية على الدوام. {وأنَّ ما يدعون من دونِهِ}: من الأصنام والأنداد من الحيوانات والجمادات، {هو الباطل}: الذي هو باطلٌ في نفسه، وعبادتُه باطلةٌ؛ لأنها متعلِّقةٌ بمضمحلٍّ فانٍ، فتبطُلُ تبعاً لغايتها ومقصودها. {وأنَّ الله هو العليُّ الكبيرُ}: العليُّ في ذاته؛ فهو عالٍ على جميع المخلوقات، وفي قَدْرِهِ؛ فهو كامل الصفات، وفي قهرِهِ لجميع المخلوقات، الكبيرُ في ذاتِهِ وفي أسمائِهِ وفي صفاتِهِ، الذي من عظمتِهِ وكبريائِهِ أنَّ الأرضَ قبضتُه يوم القيامة والسماوات مطوياتٌ بيمينِهِ، ومن كبريائِهِ أنَّ كرسيَّه وَسِعَ السماواتِ والأرض، ومن عظمتِهِ وكبريائِهِ أنَّ نواصي العباد بيدِهِ؛ فلا يتصرفون إلا بمشيئته، ولا يتحرَّكون ويسكُنون إلاَّ بإرادتِهِ، وحقيقةُ الكبرياء التي لا يعلمها إلاَّ هو؛ لا مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ: أنَّها كلُّ صفة كمال وجلال وكبرياء وعظمةٍ؛ فهي ثابتةٌ له، وله من تلك الصفة أجلُّها وأكملُها، ومن كبريائِهِ أنَّ العباداتِ كلَّها، الصادرةَ من أهل السماوات والأرضِ كلِّها، المقصودُ منها تكبيرُهُ وتعظيمُهُ وإجلالُهُ وإكرامُهُ، ولهذا كان التكبير شعاراً للعبادات الكبار كالصلاة وغيرها.
آية: 63 - 64 #
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64)}.
# {63} هذا حثٌّ منه تعالى وترغيبٌ في النظر بآياتِهِ الدَّالَّة على وحدانيَّته وكماله، فقال: {ألم تَرَ}؛ أي: ألم تشاهِدْ ببصرك وبصيرتك، {أنَّ الله أنْزَلَ مِنَ السماء ماءً}: وهو المطر، فينزِلُ على أرضٍ خاشعةٍ مجدبةٍ، قد اغبرَّت أرجاؤُها ويَبِسَ ما فيها من شجرٍ ونباتٍ، فتصبح مخضرَّةً؛ قد اكتستْ من كلِّ زوج كريم، وصار لها بذلك منظرٌ بهيجٌ، أنَّ الذي أحياها بعد موتها وهمودها لَمحيي الموتى بعد أن كانوا رميماً. {إنَّ الله لطيفٌ خبيرٌ}: اللطيفُ: الذي يدرِكُ بواطن الأشياء وخفيَّاتها وسرائرها، الذي يسوقُ إلى عباده الخير، ويدفَعُ عنه الشرَّ بطرقٍ لطيفةٍ تَخْفى على العباد. ومن لطفِهِ أنَّه يُري عبده عزَّتَه في انتقامه، وكمال اقتدارِهِ، ثم يظهِرُ لطفَه بعد أن أشرف العبدُ على الهلاك. ومن لطفِهِ أنَّه يعلم مواقعَ القطرِ من الأرض وبذور الأرض في بواطنها، فيسوق ذلك الماء إلى ذلك البذر الذي خفي على عِلْم الخلائق، فَيَنْبُتُ منه أنواعُ النبات. {خبيرٌ}: بسرائر الأمور وخبايا الصُّدور وخفايا الأمور.
# {64} {له ما في السمواتِ} والأرض خَلْقاً وعبيداً، يتصرَّف فيهم بملكه وحكمته وكمال اقتداره، ليس لأحدٍ غيره من الأمر شيءٌ. {وإنَّ الله لهو الغنيُّ}: بذاتِهِ، الذي له الغنى المطلقُ التامُّ من جميع الوجوه. ومن غناه أنَّه لا يحتاجُ إلى أحدٍ من خَلْقِهِ ولا يواليهم من ذلَّةٍ ولا يتكثَّرُ بهم من قِلَّةٍ. ومن غناه أنه ما اتَّخذ صاحبةً ولا ولداً. ومن غناه أنَّه صمدٌ لا يأكل ولا يشرب ولا يحتاجُ إلى ما يحتاج إليه الخلقُ بوجهٍ من الوجوه؛ فهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ. ومن غناه أنَّ الخلق كلَّهم مفتقرون إليه؛ في إيجادهم وإعدادهم وإمدادهم، وفي دينهم ودنياهم. ومن غناه أنَّه لو اجتمع مَن في السماوات ومَن في الأرض، الأحياء منهم والأموات، في صعيدٍ واحدٍ، فسأل كل منهم ما بلغت أمنيَّتُه، فأعطاهم فوق أمانيهم؛ ما نَقَصَ ذلك من ملكه شيء. ومن غناه أنَّ يَدَهُ سحاءُ بالخير والبركات الليل والنهار، لم يزل إفضاله على الأنفاس. ومن غناه وكرمِه ما أودعه في دار كرامتِهِ مما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خَطَرَ على قلب بشر. {الحميد}؛ أي: المحمود في ذاته، وفي أسمائه؛ لكونها حسنى، وفي صفاته؛ لكونها كلها صفات كمال، وفي أفعاله؛ لكونها دائرة بين العدل والإحسان والرحمة والحكمة، وفي شرعه؛ لكونه لا يأمر إلاَّ بما فيه مصلحةٌ خالصةٌ أو راجحةٌ، ولا ينهى إلاَّ عما فيه مفسدةٌ خالصةٌ أو راجحةٌ، الذي له الحمدُ الذي يملأ ما في السماوات والأرض وما بينهما وما شاء بعدها، الذي لا يُحْصي العبادُ ثناءً على حمده، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يُثْني عليه عباده، وهو المحمود على توفيق من يوفِّقه وخذلان من يخذله، وهو الغنيُّ في حمده، الحميد في غناه.
آية: 65 - 66 #
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66)}.
# {65} أي: ألم تشاهدْ ببصرك وقلبك نعمة ربِّك السابغة وأياديه الواسعة، و {أنَّ الله سخَّرَ لكم ما في الأرض}: من حيوانات ونبات وجمادات؛ فجميع ما في الأرض مسخَّر لبني آدم؛ حيواناتُها لركوبه وحمله وأعماله وأكله وأنواع انتفاعه، وأشجارُها وثمارها يقتاتُها، وقد سُلِّط على غرسها واستغلالها، ومعادنها يستخرجها وينتفع بها. {والفلَك}؛ أي: وسخَّرَ لكم الفلك، وهي السفن، {تجري في البحر بأمرِهِ}: تحمِلُكم وتحمل تجاراتكم وتوصِلُكم من محل إلى محلٍّ وتستخرجون من البحر حليةً تلبَسونها. ومن رحمته بكم أنه {يُمْسِكُ السماء أن تَقَعَ على الأرض}؛ فلولا رحمتُهُ وقدرتُهُ؛ لسقطت السماء على الأرض، فتلف ما عليها، وهلك من فيها: {إنَّ الله يُمْسِكُ السمواتِ والأرضَ أن تزولا ولئن زالتا إنْ أمْسَكَهُما من أحدٍ من بعدِهِ إنَّه كان حليماً غفوراً}. {إنَّ الله بالناس لرءوفٌ رحيمٌ}: أرحم بهم من والديهم ومن أنفسهم، ولهذا يريد لهم الخير، ويريدون لها الشرَّ والضرَّ. ومن رحمته أن سخَّر لهم ما سخَّر من هذه الأشياء.
# {66} {وهو الذي أحياكم}: وأوجدكم من العدم، {ثم يُميتُكم}: بعد أن أحياكم، {ثم يُحييكم}: بعد موتكم؛ ليجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. {إنَّ الإنسان}؛ أي: جنسه إلاَّ مَنْ عَصَمَهُ الله؛ {لكفورٌ}: لنعم الله، كفورٌ بالله، لا يعترف بإحسانه، بل ربَّما كفر بالبعث وقدرة ربِّه.
آية: 67 - 70 #
{لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70)}.
# {67} يخبر تعالى أنَّه جَعَلَ لكلِّ أمةٍ {مَنْسَكاً}؛ أي: معبداً وعبادةً، قد تختلفُ في بعض الأمور، مع اتِّفاقها على العدل والحكمة؛ كما قال تعالى: {لكلٍّ جَعَلْنا منكم شِرْعةً ومنهاجاً ولو شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُم أمَّةً واحدةً ولكن لِيَبْلُوَكُم فيما آتاكم ... } الآية، {هم ناسِكُوه}؛ أي: عاملون عليه بحسب أحوالهم؛ فلا اعتراض على شريعةٍ من الشرائع، خصوصاً من الأميين أهل الشرك والجهل المبين؛ فإنَّه إذا ثبتت رسالةُ الرسول بأدلتها؛ وجب أن يُتَلَقَّى جميع ما جاء به بالقَبول والتسليم وترك الاعتراض، ولهذا قال: {فلا ينازِعُنَّكَ في الأمر}؛ أي: لا ينازِعُك المكذِّبون لك، ويعترِضون على بعض ما جئتَهم به بعقولهم الفاسدة؛ مثلَ منازعتِهِم في حلِّ الميتةِ بقياسهم الفاسد؛ يقولونَ: تأكلونَ ما قَتَلْتُم ولا تأكلونَ ما قَتَلَ الله؟! وكقولهم: {إنَّما البيعُ مثلُ الرِّبا} ... ونحو ذلك من اعتراضاتهم التي لا يلزم الجواب عن أعيانها، وهم منكرون لأصل الرسالة، وليس فيها مجادلةٌ ومحاجَّةٌ بانفرادها، بل لكلِّ مقام مقال؛ فصاحب هذا الاعتراض المنكِرُ لرسالة الرسول إذا زَعَمَ أنَّه يجادِل ليسترشدَ؛ يُقال له: الكلامُ معك في إثبات الرِّسالة وعدمها، وإلاَّ؛ فالاقتصارُ على هذه دليلٌ أنَّ مقصوده التعنت والتعجيز، ولهذا أمر اللَّهُ رسولَه أن يدعُو إلى ربِّه بالحكمة والموعظة الحسنة ويمضي على ذلك؛ سواءً اعترضَ المعترِضون أم لا، وأنه لا ينبغي أن يَثْنيكَ عن الدَّعوةِ شيءٌ؛ لأنَّك على {هدىً مستقيم}؛ أي: معتدلٍ، موصل للمقصودِ، متضمنٍ علم الحقِّ والعمل به؛ فأنت على ثقةٍ من أمرك ويقينٍ من دينك، فيوجِبُ ذلك لك الصلابة والمضيَّ لما أمرك به ربُّك، ولست على أمرٍ مشكوكٍ فيه أو حديثٍ مفترى، فتقف مع الناس ومع أهوائهم وآرائهم ويوقِفُك اعتراضُهم، ونظير هذا قولُه تعالى: {فتوكَّلْ على اللهِ إنَّك على الحقِّ المبينِ}. مع أنَّ في قوله: {إنَّك لعلى هدىً مستقيم}: إرشاداً لأجوبة المعترضين على جزئيَّات الشرع بالعقل الصحيح؛ فإنَّ الهدى وصفٌ لكلِّ ما جاء به الرسول، والهدى ما تحصُلُ به الهدايةُ في مسائل الأصول والفروع، وهي المسائل التي يُعْرَفُ حسنُها وعدلُها وحكمتُها بالعقل والفطرة السليمة، وهذا يُعْرَفُ بتدبُّر تفاصيل المأمورات والمنهيَّاتِ.
# {68 ـ 69} ولهذا أمره الله بالعدول عن جدالهم في هذه الحالة، فقال: {وإن جادَلوكَ فقُل اللهُ أعلم بما تعملونَ}؛ أي: هو عالمٌ بمقاصدِكم ونيَّاتكم؛ فمجازيكم عليها في يوم القيامة الذي يحكم الله بينكم {فيما كنتُم فيه تختلفونَ}: فمن وافَقَ الصراط المستقيم؛ فهو من أهل النعيم، ومن زاغَ عنه؛ فهو من أهل الجحيم.
# {70} ومن تمام حكمِهِ أن يكون حُكماً بعلم؛ فلذلك ذَكَرَ إحاطة علمه وإحاطةَ كتابه، فقال: {ألم تَعْلَمْ أنَّ الله يعلمُ ما في السماء والأرض}: لا يخفى عليه منها خافيةٌ من ظواهر الأمور وبواطنها؛ خفيِّها وجليِّها، متقدِّمها ومتأخِّرها؛ ذلك العلم المحيطَ بما في السماء والأرض، قد أثبتَه الله في كتابٍ، وهو: اللوحُ المحفوظُ، حين خَلَقَ الله القلم؛ «قال له: اكتبْ! قال: ما أكتبُ؟ قال: اكتبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة». {إنَّ ذلك على اللهِ يَسيرٌ}: وإنْ كان تصوُّره عندَكم لا يُحاط به؛ فالله تعالى يسيرٌ عليه أن يحيطَ علماً بجميع الأشياء، وأنْ يكتُبَ ذلك في كتابٍ مطابق للواقع.
آية: 71 - 72 #
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72)}.
# {71} يذكر تعالى حالَة المشركين به العادِلينَ به غيرَه، وأنَّ حالهم أقبحُ الحالات، وأنَّه لا مستندَ لهم على ما فعلوه؛ فليس لهم به علمٌ، وإنَّما هو تقليدٌ تلقَّوْه عن آبائهم الضالين، وقد يكون الإنسانُ لا علم عندَه بما فعله، وهو في نفس الأمر له حجَّة ما علمها، فأخبر هنا أن الله لم يُنَزِّلْ في ذلك {سُلطاناً}؛ أي: حجة تدلُّ عليه وتجوِّزه، بل قد أنزل البراهين القاطعة على فسادِهِ وبطلانِهِ، ثم توعَّد الظالمين منهم المعاندين للحق، فقال: {وما للظَّالمين من نصيرٍ}: ينصُرُهم من عذاب الله إذا نَزَلَ بهم، وحلَّ.
# {72} وهل هؤلاء الذين لا علم لهم بما هم عليه قصدٌ في اتِّباع الآيات والهدى إذا جاءهم أم هم راضون بما هم عليه من الباطل، ذكر ذلك بقوله: {وإذا تُتْلى عليهم آياتُنا}: التي هي آيات الله الجليلة المستلزمة لبيان الحقِّ من الباطل؛ لم يلتفتوا إليها، ولم يرفعوا بها رأساً، بل {تعرِفُ في وجوه الذين كفروا المنكَرَ}: من بُغْضِها وكراهتِها؛ ترى وجوهَهم معبسةً وأبشارهم مكفهرةً. {يكادونَ يَسْطُونَ بالذين يتلونَ عليهم آياتِنا}؛ أي: يكادون يوقِعون بهم القتلَ والضربَ البليغ من شدَّة بغضِهم وبغضِ الحقِّ وعداوته؛ فهذه الحالة من الكفار بئس الحالةُ وشرُّها بئس الشرُّ، ولكن ثَمَّ ما هو شرٌّ منها: حالتُهم التي يؤولون إليها؛ فلهذا قال: {قل أفأنبِّئُكم بشرٍّ من ذلكم النارُ وَعَدَها اللهُ الذين كفروا وبئس المصيرُ}: فهذه شرُّها طويلٌ عريضٌ، ومكروهُها وآلامُها تزدادُ على الدوام.
آية: 73 - 74 #
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74)}.
# {73 ـ 74} هذا مثلٌ ضَرَبَه الله لقبح عبادة الأوثان وبيانِ نُقصان عقول مَن عَبَدها وضَعْفِ الجميع، فقال: {يا أيها الناسُ}: هذا خطابٌ للمؤمنين والكفَّار؛ المؤمنون يزدادون علماً وبصيرةً، والكافرون تقوم عليهم الحجَّة. {ضُرِبَ مَثَلٌ فاستَمِعوا له}؛ أي: ألقوا إليه أسماعَكم، وافْهَموا ما احتوى عليه، ولا يصادِفْ منكم قلوباً لاهيةً وأسماعاً معرضةً، بل ألْقوا إليه القلوبَ والأسماعَ، وهو هذا: {إنَّ الذين تَدْعونَ من دونِ اللهِ}: شَمِلَ كلَّ ما يُدْعى من دونِ الله، {لَنْ يَخْلُقوا ذباباً}: الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسِّها؛ فليس في قدرتهم خَلْقُ هذا المخلوق الضعيف؛ فما فوقَه من باب أولى، {ولو اجْتَمَعوا له}: بل أبلغُ من ذلك: لو {يَسْلُبْهُمُ الذبابُ شيئاً لا يستَنْقِذوه منه}: وهذا غايةُ ما يصير من العجز. {ضَعُفَ الطالبُ}: الذي هو المعبودُ من دون الله، {والمطلوبُ}: الذي هو الذباب؛ فكل منهما ضعيفٌ، وأضعفُ منهما من يتعلَّق بهذا الضعيف وينزِله منزلةَ ربِّ العالمين؛ فهذا ما قَدَر اللَّه حقَّ قدرِهِ، حيث سوَّى الفقيرَ العاجزَ من جميع الوجوه بالغنيِّ القويِّ من جميع الوجوه، سوَّى مَنْ لا يملِكُ لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضرًّا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً بمن هو النافعُ الضارُّ المعطي المانعُ مالكُ الملكِ والمتصرِّفُ فيه بجميع أنواع التصريف. {إنَّ الله لَقَوِيٌ عزيزٌ}؛ أي: كامل القوة، كامل العزَّة، من كمال قوَّتِهِ وعزَّتِهِ: أنَّ نواصي الخلق بيديه، وأنَّه لا يتحرَّك متحرِّكٌ ولا يسكُنُ ساكنٌ إلاَّ بإرادتِهِ ومشيئتِهِ؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ومن كمال قوَّتِهِ: أنه يمسِكُ السماواتِ والأرضَ أن تزولا، ومن كمال قوَّته: أنه يبعثُ الخلق كلَّهم، أوَّلهم وآخرهم بصيحةٍ واحدةٍ، ومن كمال قوَّته أنَّه أهلك الجبابرة والأمم العاتية بشيء يسيرٍ وسوطٍ من عذابه.
آية: 75 - 76 #
{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76)}.
# {75 ـ 76} لما بيَّن تعالى كمالَه وضعفَ الأصنام وأنَّه المعبود حقًّا؛ بيَّن حالة الرسل وتميُّزهم عن الخلق بما تميَّزوا به من الفضائل، فقال: {الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس}؛ أي: يختار ويجتبي من الملائكة رسلاً ومن الناس رسلاً؛ يكونون أزكى ذلك النوع وأجمعَهُ لصفاتِ المجدِ وأحقَّه بالاصطفاء؛ فالرسلُ لا يكونون إلاَّ صفوةَ الخلق على الإطلاق، والذي اختارهم واجتباهم ليس جاهلاً بحقائق الأشياء، أو يعلم شيئاً دون شيءٍ، وإنَّ المصطفي لهم السميعُ البصيرُ، الذي قد أحاط علمُهُ وسمعُهُ وبصرُهُ بجميع الأشياء؛ فاختياره إيَّاهم عن علم منه أنَّهم أهلٌ لذلك، وأنَّ الوحي يصلُحُ فيهم؛ كما قال تعالى: {اللهُ أعلمُ حيث يجعلُ رسالتَه}. {وإلى الله تُرْجَعُ الأمور}؛ أي: هو يرسل الرسل يدعون الناس إلى الله؛ فمنهم المجيبُ، ومنهم الرادُّ لدعوتهم، ومنهم العاملُ، ومنهم الناكلُ؛ فهذا وظيفةُ الرسل، وأمَّا الجزاءُ على تلك الأعمال؛ فمصيرُها إلى الله؛ فلا تعدم منه فضلاً وعدلاً.
آية: 77 - 78 #
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)}.
# {77} يأمر تعالى عباده المؤمنين بالصَّلاة، وخصَّ منها الرُّكوع والسُّجود لفضلهما وركنيَّتِهِما وعبادته التي هي قرَّة العيون وسلوةُ القلب المحزون، وإنَّ ربوبيَّته وإحسانَه على العباد يقتضي منهم أن يُخْلِصوا له العبادةَ، ويأمرهم بفعل الخيرِ عموماً، وعلَّق تعالى الفلاح على هذه الأمور، فقال: {لعلَّكم تفلحون}؛ أي: تفوزون بالمطلوب المرغوب، وتَنْجون من المكروه المرهوب؛ فلا طريق للفلاح سوى الإخلاص في عبادة الخالق والسعي في نفع عبيده؛ فمن وُفِّق لذلك؛ فله القَدَحُ المعَلاَّ من السعادة والنجاح والفلاح.
# {78} {وجاهدوا في الله حقَّ جهاده}: والجهاد بذلُ الوسع في حصول الغرض المطلوب؛ فالجهادُ في الله حقَّ جهادِهِ هو القيامُ التامُّ بأمر الله، ودعوةُ الخلق إلى سبيله بكلِّ طريق موصل إلى ذلك؛ من نصيحةٍ وتعليم وقتال وأدبٍ وزجرٍ ووعظٍ وغير ذلك. {هو اجتباكُم}؛ أي: اختاركم يا معشر المسلمين من بين الناس، واختار لكم الدين، ورضِيَه لكم، واختار لكم أفضلَ الكتب وأفضلَ الرسل؛ فقابِلوا هذه المنحة العظيمة بالقيام بالجهاد فيه حقَّ القيام. ولما كان قولُهُ. {وجاهدوا في الله حقَّ جهادِهِ}؛ ربما تَوَهَّمَ متوهِّمٌ أنَّ هذا من باب تكليف ما لا يُطاق أو تكليف ما يشقُّ؛ احترزَ منه بقوله: {وما جَعَلَ عليكم في الدِّينِ من حَرَج}؛ أي: مشقَّةٍ وعسرٍ، بل يسَّره غاية التيسير، وسهَّله بغاية السهولة؛ فأولاً: ما أمرَ وألزمَ إلاَّ بما هو سهل على النفوس لا يُثْقِلها ولا يَؤودُها، ثم إذا عَرَضَ بعضُ الأسباب الموجبة للتَّخفيف؛ خفَّف ما أمر به: إما بإسقاطِهِ، أو إسقاطِ بعضِهِ. ويؤخذ من هذه الآية قاعدةٌ شرعيةٌ، وهي أن «المشقَّة تجلب التَّيسير» و «الضرورات تبيح المَحْظورات»، فيدخُلُ في ذلك من الأحكام الفروعيَّة شيء كثيرٌ معروفٌ في كتب الأحكام. {ملةَ أبيكم إبراهيم}؛ أي: هذه الملة المذكورة والأوامر المزبورة ملَّةُ أبيكم إبراهيم، التي ما زال عليها؛ فالزموها واستمسكوا بها. {هو سمَّاكُم المسلمينَ من قبلُ}؛ أي: في الكتب السابقة مذكورونَ ومشهورونَ، {وفي هذا}؛ أي: هذا الكتاب وهذا الشرع؛ أي: ما زال هذا الاسم لكم قديماً وحديثاً؛ {ليكونَ الرسولُ شهيداً عليكم}: بأعمالكم خيرِها وشرِّها، {وتكونوا شهداءَ على الناس}: لكونِكُم خيرَ أمَّةٍ أخرِجَت للناس، أمَّة وسطاً عدلاً خياراً، تشهدونَ للرسل أنَّهم بَلَّغوا أمَمَهم، وتشهدون على الأمم أنَّ رُسُلَهم بلَّغَتْهم بما أخبركم الله به في كتابه. {فأقيموا الصلاةَ}: بأركانِها وشروطِها وحدودِها وجميع لوازمها، {وآتوا الزَّكاة}: المفروضة لمستحقِّيها؛ شكراً لله على ما أولاكم. {واعتصموا بالله}؛ أي: امتنعوا به، وتوكَّلوا عليه في ذلك، ولا تتَّكِلوا على حولكم وقوَّتِكم. {هُوَ مولاكم}: الذي يتولَّى أمورَكم، فيدبِّرُكم بحسن تدبيرِهِ، ويصرِّفُكم على أحسن تقديره. {فنعم المولى ونعم النصيرُ}؛ أي: نعم المولى لمن تولاَّه فحصَلَ له مطلوبُهُ، ونعم النصيرُ لمن استنصرَهُ فدفع عنه المكروه.
تم تفسير [سورة] الحج. والحمد لله رب العالمين.
* * *